البث المباشر الراديو 9090

قال محمد جاد الله تخيل عالماً هادئاً ووديعاً في أروقة جامعة هارفارد، يرتدي معطفه الأبيض ويدخل معمله، لا ليتوصل لشفاء مرضي، بل لابتكار مادة جيلاتينية شديدة اللزوجة؛ مادة تصل درجة حرارتها إلى ألف درجة مئوية، ولا يزيدها الماء إلا اشتعالاً وضراوة.

وفتح محمد جاد الله، خلال حلقة جديدة من برنامج "سيرة ومسيرة"، عبر موقع "مبتدا"، دفتر قصة العالم الكيميائي لويس فايزر؛ الرجل الذي أهدى البشرية سلاح "النابالم"، فأمطر السماء جحيماً أكل الأخضر واليابس.

وأوضح جاد الله أن الحكاية بدأت في أربعينيات القرن الماضي، بالتزامن مع اشتعال شرارة الحرب العالمية الثانية، كان لويس فايزر كيميائياً عبقرياً في جامعة "هارفارد"، عندما طرق بابَه ممثلو الحكومة الأمريكية بتكليفٍ سري للغاية: "نريد سلاحاً حارقاً من نوع جديد؛ يلتصق بالمباني، ويلتهم كل ما يعترض طريقه، ولا تُفلح في إطفائه المياه أو فرق الإطفاء التقليدية".

وقال إن اعتكف "فايزر" داخل معمله، وبدأ بتجربة دمج المركبات الكيميائية؛ فخلط البنزين بحمض "النفتينيك" وحمض "البالميتيك"، ومن أوائل أ Both الأحماض المركبة (Naphthenic & Palmitic) وُلد الاسم والمركب المرعب: «النابالم»، ولم يكن "النابالم" مجرد نار عادية، بل مادة هلامية شديدة اللزوجة، تلتصق بالجلد والشجر والحجر، وتمتص الأكسجين من الجو المحيط لتخنق كل كائن حي في جوارها.

ولفتت إلى أنه في التاسع من مارس عام 1945، استخدمت الولايات المتحدة هذا السلاح لأول مرة على نطاق واسع في غارة جوية مدمرة على العاصمة اليابانية طوكيو، وشاركت في الهجوم 334 طائرة حربية ألقىَت آلاف الأطنان من قنابل النابالم، وفي ليلة واحدة، تحولت طوكيو إلى أتونٍ هائل، ولقي أكثر من 100 ألف إنسان حتفهم حرقاً، في واحدة من أبشع ليالي القصف الجماعي في التاريخ البشري، والتي تجاوزت خسائرها البشرية المباشرة هول القنبلتين الذريتين!

وقال إن العالم صُدم بعد انتهاء الحرب عندما انتشرت صور ضحايا "النابالم"، وتوجهت أصابع الاتهام الأخلاقية إلى لويس فايزر باعتباره العقل المبتكر لأبشع سلاح حارق في التاريخ.

واختتم حديثه قائلا لكن فايزر واجه تلك الاتهامات ببرود مرعب، قائلاً ببساطة: "أنا مجرد عالم كيميائي أديت واجبي في المعمل بضمير وإتقان، ولا شأن لي بكيفية استخدام السياسيين والعسكريين لهذا الاختراع"، وعاش "فايزر" بقية حياته دون أن يستبد به الشعور بالذنب، رافضاً خلط العلم بالمشاعر والإنسانيات، حتى رحل عن عالمنا عام 1977، تاركاً خلفه تركة ثقيلة من الدمار والسلاح الأكثر إرعاباً في الحروب الحديثة.