محمد عبدالحافظ
ورب ضارة نافعة، فربما كان هذا النسيان، حتى أفرد له مقالاً كاملاً.
د. مصطفى كان يتميز بدماثة الخلق، والأدب الجم، وكان عندما يستقبل أى شخص فى مكتبه، صغيراً أو كبيراً، وزيراً أو خفيراً، يقف له مرحبا ومحتفياً به بكل ود وتقدير، دون تكلف أو تصنع أو تزلف، كان سياسياً من الطراز الأول، وحظى باحترام المعارضين قبل الأغلبية، وتفرد خلال فترة توليه بأن الصحافة لم تنتقده مطلقاً، سواء الصحافة القومية أو الحزبية أو المستقلة.
وقد تولى مناصب عديدة قبل وصوله لرئاسة مجلس الشورى الذى كان مليئا بخلاصة عقول البلد السياسية والعلمية والفنية، حيث كان وزيراً للتعليم العالى والبحث العلمى، ونائباً لرئيس الوزراء لمدة 3 سنوات حتى عام 1976 وتقلد العديد من الأوسمة والنياشين من مصر ومن رؤساء وزعماء الدول العربية، وكان نقيباً للمعلمين حتى وفاته.
وانتخب عضوا فى الشورى منذ بداية إنشائه عام 1980 كغرفة ثانية للبرلمان، واستمر عضواً لمدة 9 سنوات، ثم انتخب رئيساً له، وشهد المجلس فى عهده نهضة حقيقية، حيث تم تطوير لائحته الداخلية، وحصل على اختصاصات جديدة جعلته أكثر فاعلية، لم تكن ممنوحة له فى بداية إنشائه، وكان يدير الجلسات ببراعة، وحكمة، وقدرة فائقه، لم يمنع أحدا من إبداء رأيه، ولم يسمح بالتجاوز أو الخروج عن اللائحة، لم يتكسب أو يتربح من منصبه، ولم يتوسط لأحد طوال فترة عمله سواء كان قريباً أو غريباً.
كان منضبطاً فى تصرفاته وعفّ اللسان، كان يتحدث باللغة العربية وهو على المنصة، وفرض شخصيته الوطنية والمنضبطة والمؤدبة على المجلس، فتخلّق كل من تحت قبة المجلس بأخلاقه سواء كانوا عاملين أو نوابا، وخرجت من الشورى فى عهده تقارير مهمة وذات قيمة عالية، أتذكر منها تقريرا عن الإرهاب، وآخر عن تنمية سيناء.
بعد 15 عاماً من رئاسته الشورى، خاض انتخابات المجلس عام 2004 بالاتفاق مع الحزب الوطنى والتنسيق معه، وفاز باكتساح كالعادة، وذهب إلى مكتبه بالمجلس، وتوافد عليه الوزراء والمسؤولون للتهنئة بالفوز فى الدائرة، تمهيداً لبداية فترة رئاسة جديدة للمجلس، إلى أن حضر لمكتبه شخصية مهمة ــ ليس عضواً فى الحكومة ــ وأخبره أنه لن يتم ترشيحه لرئاسة المجلس، وأن صفوت الشريف سيكون بدلاً منه، فما كان منه إلا أن استقبل القرار بصدر رحب، وحضر جلسة الإجراءات والتزم حزبيا، وصوت لصالح صفوت الشريف، ولم يتغيب جلسة واحدة، وكان دائماً هو أول الحاضرين، وآخر المغادرين، مشاركاً برأيه وخبرته، طارحاً لأفكار بناءة، معدلاً لمواد فى مشروعات القوانين التى كانت ترد للمجلس، وكنت أراه من شرفة الصحافة فى أحيان كثيرة يخجل من أن يرفع يده طالباً الكلمة، فكان يبادر صفوت الشريف قائلاً: إن هذا الموضوع يستوجب أخذ رأى الدكتور مصطفى فيه، فليتفضل بعرض رأيه إنْ أراد.
هكذا كان أداء الرجل الوطنى الغيور على وطنه، قبل أن يكون غيوراً على منصبه، الذى يسعى لخدمة بلده قبل أن يسعى لخدمة نفسه، المتجرد من المصلحة الشخصية، المتسامى والمترفع فوق الألقاب الزائلة، والذى لا يحتاج لأداة تعريف تسبق اسمه، فكان يكفيه الوطنية لقبا وتعريفاً له، فالجنود دائماً هم الذين يصنعون الانتصار، كل هذه الصفات متاحة لمن يريد.
هذا غيض من فيض العالم الجليل د. مصطفى كمال حلمي، الذى سيظل نموذجاً يحتذى لأى برلمانى وسياسى ومسؤول، وسيبقى دائما هو أيقونة مجلس الشورى، حتى وإن كان هناك مواقف مماثلة لتجربته البرلمانية فعلها د. على لطفى ود. صوفى أبو طالب.
سلاماً على روحه الطاهرة، ومعذرة للقارئ على النسيان، ولنا فى حديث نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، الذى لا ينطق عن الهوى: «رفع عن أمتى السهو والنسيان» حجة.
اللهم لا تجعل الشيطان ينسينا، فنكون كالذى أنساه الشيطان ذكر ربه، فتسبب فى أن لبث النبى يوسف فى السجن بضع سنين، وبارك لنا فى ملائكتنا ليفرجوا عنا، وليذكرونا بكل ما هو نافع.