محمد عبدالحافظ
كل قنوات التليفزيونات العربية والأجنبية نقلت على الهواء احتفالات الفلسطينيين فى غزة بانتصارهم على قوات الاحتلال، من حق الفلسطينيين أن يعتبروا ما حدث نصرًا، فقد كانوا يحاربون قوة عسكرية تمتلك سلاحًا نوويًا، ومفاعلًا نوويًا عسكريًا.
ما لفت نظرى وسط الاحتفالات - وبخاصة التى كانت فى غزة - أن العلم الفلسطينى توارى وسط زحمة أعلام الفصائل الفلسطينية، فكل فصيل من الفصائل، وبخاصة حماس، حشدت رجالها حاملين أعلامها، للاحتفال بالنصر!
ظنى أن هذه هى الأزمة الحقيقية والمعضلة فى القضية الفلسطينية، ونقطة الضعف التى تستغلها قوات الاحتلال فى أى مفاوضات لإعادة الحق الفلسطينى.. حيث يستغل العدو الإسرائيلى الانقسامات والتشتت، أتمنى أن يستثمر الفلسطينيون هذا النصر، والتعاطف الدولى لتوحيد صفوفهم، وأن تذوب كل الفصائل تحت علم واحد (العلم الفلسطينى)، وتتوارى وتختفى جميع أعلام الفصائل، وأن تكون كل أسلحة الفصائل تحت إمرة الرئيس الفلسطينى، وأن يكون رجال المقاومة الفلسطينية هم جيش فلسطين الحقيقى والنواة له، لتعرف إسرائيل أنها لا تتعامل مع فصائل ولكن مع دولة.
وما أحزننى أكثر هو انطلاق دعوات من قيادات حماس الذين يعيشون فى داخل وخارج غزة، تطالب بأن تصب جميع التبرعات، والأموال الموجهة لإعمار غزة لتكون تحت سيطرتها، وهذا سيجعل العديد من الدول والمنظمات الدولية وحتى الأفراد يحجمون عن التبرع لإعادة إعمار غزة بعد الدمار الذى خلفته العمليات الإرهابية التى قامت بها قوات الاحتلال، ويظل أهل غزة محرومين من المياه والكهرباء والمأوى.. إذا لم تتوحد القيادة الفلسطينية، وتستثمر التعاطف الدولى الذى تحظى به فلسطين الآن، لن يحصلوا على حقوقهم، وسيكونون سببا فى تعثر جهود مصر الحثيثة، لتثبيت وقف إطلاق النار، والبدء فى مفاوضات جادة لحل الدولتين وإعلان دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية.
وأعود لأتباهى وأفخر بمصريتى، فالنجاح الذى حققه الرئيس السيسى فى القضية الفلسطينية، وانحيازه فى المقام الأول للقضية الإنسانية ووقف نزيف الدم، قد جعل كل الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وأمين عام الأمم المتحدة، يوجهون الشكر للسيسى ومصر على ما بذل من جهد تكلل بالنجاح، وجعلها تعيد حساباتها فى التعامل مع مصر، باعتبارها مصر القوية، مصر 30 يونيو، مصر رمانة ميزان المنطقة، مصر القادرة والمنحازة للسلام، مصر التى تملك كل أدوات حماية هذا السلام والاستقرار.. مصر التى حمت ليبيا من الغزو التركى، ومهدت الطريق لإعادة ليبيا لليبيين، وبناء دولة مستقرة.. مصر التى لها الدور الأكبر فى إقرار السلام فى السودان..
العالم كله يؤمن بمصر ومكانتها وقدرتها وإمكانياتها، وقوة رئيسها، ومصداقيته، السيسى الذى إذا قال فعل، وإذا فعل أنجز، وإذا أنجز أعجز.. وكل الدول تتعامل معه من هذا المنطلق.. إلا إثيوبيا فهى إلى الآن تسير وفق هواها، ورعونتها، ولا تأخذ إعلان الرئيس السيسى أن أمننا المائى خط أحمر، وأن من يريد أن (يجرب، يجرب) مأخذ الجد، وتصر على المضى قدما فى الملء الثانى لسد أثيوبيا، بشكل أحادى، ودون التوصل إلى اتفاق قانونى مع مصر والسودان، ينظم عملية الملء والتشغيل للسد، بشكل لا يؤثر على أمن مصر والسودان المائى.
لم تتفهم إثيوبيا ولم تستوعب ما أعلنه وزير الخارجية سامح شكرى حين وصف أن الملء الثانى بشكل أحادى هو خرق للقانون الدولى!
غضت إثيوبيا بصرها عن المناورات والتدريبات العسكرية المشتركة بين مصر والسودان، على الأراضى السودانية، والتى أطلِق عليها (حماة النيل)، وتتم حاليا إحدى مراحلها لمدة 5 أيام حتى نهاية مايو، بمشاركة تشكيلات متنوعة بالقوات المسلحة، برية وبحرية وجوية.. كما غضت بصرها من قبل على المناورتين اللتين أجريتا فى شهرى نوفمبر وأبريل الماضيين "نسور النيل" 1و2.
وصمت إثيوبيا أذنها عن تكرار تأكيد الرئيس السيسى فى كل لقاءاته أو محادثاته الهاتفية مع زعماء العالم، على أن مصر لن تسمح بالمساس بأمنها المائى.. وأنها متمسكة بحقوقها المائية خلال مفاوضات السد.
لم تفهم أثيوبيا أن إصرار مصر على إنهاء أزمة سد أثيوبيا بالمفاوضات يأتى من منطلق قوة ورقى وشرف فى التعامل مع الأشقاء، ولكنها فى نفس الوقت قادرة وتستطيع أن تدافع عن حقوقها بكل الطرق والوسائل والأدوات فى أى وقت وفى أى مكان.. ولن تسمح لأحد أن يمس حبة رمل من أرضها، أو ذرة هواء فى أجوائها، أو قطرة ماء من نيلها.
ليت إثيوبيا، ترى، وتسمع، وتفهم.
"حزين ياللى تعاندنا، بتعاند جبارين".