البث المباشر الراديو 9090
الدكتور شحاتة غريب
لا شك أن أحد الأسباب المهمة لإندلاع ثورة 30 يونيو 2013 يكمن فى قيام الحركات الدينية المتشددة حينئذ ببث خطاب الكراهية، وطرد ثقافة الحوار من أرض الحوار، وملتقى الأديان السماوية، ليعم خطر تهديد قيم المواطنة كل ربوع الأرض المصرية، وأصبحت قيم التسامح، والتعايش، وثقافة قبول الآخر فى خبر كان!؟

وكان من أهم نتائج ثورة الثلاثين من يونيو، صياغة دستور 2014، ليجعل من المواطنة أساسًا لنظام جمهورية مصر العربية، ولعل العبارات الواردة فى ديباجة هذا الدستور تؤكد لنا ذلك، إذ أكدت الديباجة على أن مصر تكون وطنًا خالدًا للمصريين، ورسالة سلام ومحبة لكل الشعوب، وأن مصر مهد الدين، وراية مجد الأديان السماوية، وأن الشعب المصرى يكتب دستورًا يحقق المساواة بين كل المصريين، ودون أى تمييز!.

وقد جاء فى نص المادة (1) من الدستور أن جمهورية مصر العربية يقوم نظامها على أساس المواطنة، وسيادة القانون، وأكدت المادة (9) على مبدأ تكافؤ الفرص، وعدم التمييز، وحرصت المادة (53) على النص على مبدأ المساواة بين جميع المواطنين، والقضاء على كل أشكال التمييز، ولعل ذلك يعد ضمانة قوية لتعزيز قيم التسامح، والتعايش، ونشر ثقافة قبول الآخر!.

كما أكدت المادة (47) على الحفاظ على الهوية الثقافية المصرية بروافدها الحضارية المتنوعة، وأوضحت المادة (50) ضرورة الحفاظ على مكونات التعددية الثقافية، ونصت المادة (64) على حرية الاعتقاد، ما يؤكد أن الشعب المصرى قد كان حريصًا عند صياغة دستور 2014 على التأكيد على احترام التنوع الثقافى المصرى، وأنه لا يمكن بأى حال من الأحوال فرض الهيمنة الثقافية من أصحاب فكر معين، وأن الدولة المصرية الجديدة تكون حاضنة للجميع، أيًا كان انتمائهم الدينى، أو المذهبى، أو الفكرى، أو الثقافى، طالما أن ذلك لا يمس قواعد النظام العام، والآداب العامة، فى مصر!.

فقد صاغ الشعب المصرى دستور 2014 بطريقة عبقرية، أغلقت كل الأبواب، فى مواجهة كل حاقد، أو متطرف، يريد العبث بمقدرات الوطن، ومقوماته الأساسية، خصوصًا ما يتعلق بالهوية الثقافية، واحترام التعدد، والتنوع الثقافى، وأن احترام، وقبول هذا التنوع، يُعد وبحق ضمانة للحفاظ على النسيج الوطنى، وعدم المساس بالتماسك الاجتماعى، والقضاء على كافة الأفكار الضارة بالسلام الاجتماعى، أو تلك التى تحاول أن تنال من وحدة الوطن!.

ولعل هذه الصور، والأشكال، من قيم التسامح الواردة فى الدستور المصرى، تتناغم، وتنسجم، وتتفق مع ما جاء فى إعلان اليونسكو لمبادئ التسامح عام 1995، إذ أكدت هذه المبادئ على ضرورة احترام، وتقدير، وقبول، التنوع الثقافى فى العالم، وكل أشكال التعبير، وتقديس الصفات الإنسانية، وهذا التوافق بين إعلان اليونسكو والدستور المصرى، يؤكد بلا ريب أن التسامح وحده هو الذى يضمن بقاء المجتمعات ذات التعددية الثقافية، والعرقية، فى كل مناطق العالم.

وبعيدًا عن هذا المنظور الدستورى، ينبغى أن يُدرك الجميع، أن وجود الإنسان، ليس له أى قيمة، أو معنى، بدون وجود الآخر، وأن احترام الموقف المخالف، يكون احترامًا للذات، قبل أن يكون احترامًا للآخر، وأن العلاقات الاجتماعية إذا كانت تحتاج إلى دستور، وقوانين، لتنظيمها، فإنها تحتاج أكثر إلى الحوار، والنقاش، والاحتواء الفكرى للآخر، والإيمان بحتمية العيش بسلام مع الآخرين، والإيمان بأنه لا يوجد فكر يعلو على فكر آخر، أو توجد ثقافة تعلو على ثقافة أخرى، ولكن يوجد إنسان يحتاج إلى إنسان آخر، أيًا كان الإنتماء، وأن سيادة قيم التسامح، والتعايش، هو الضامن الوحيد، لبقاء الإنسان فى دائرة المعنى الإنسانى!.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز