محمد عبدالحافظ
الذى يبور الأرض الزراعية فاسد، والذى يبنى على الأرض الزراعية فاسد، والذى يتعدى على الأملاك العامة فاسد، والذى يلقى القمامة فى الشوارع العامة فاسد، والذى يهدر مياه الشرب فى رى حديقته وملء حمام السباحة أو غسيل سيارة أو عدم إصلاح صنبور المياه فى شقته أيضا فاسد، حتى لو كان يدفع ثمن هذه المياه، لأن مياه الشرب لاتستخدم فى هذه الأغراض، كل مظاهر التعدى على حق الغير فساد، أيا كان هذا الحق، كما أن التغول فى استخدام الحق فساد.
واتساع تعريف معنى الفساد يعطى الدولة الحق فى عقاب كل فاسد فى كل مكان، وفى أى موقع، وتكون أداة ردع لكل من تسول له نفسه أن يمارس فساده على الآخرين بطريقة مباشرة، أو بطريقة غير مباشرة من خلال تعديه على أملاك الدولة التى هى فى الحقيقة ملك كل فرد فى الشعب، والحكومة هى ممثلة المالك، والأمينة على حفظ حقوقه.
والآن ونحن فى بداية جمهوريتنا الجديدة، لابد أن يتسارع نمو وعينا بنفس الوتيرة التى تبنى فيها الدولة قواعد مجدها الجديدة فى الجيش والصناعة والزراعة والتعمير والاقتصاد والكهرباء والمدن الجديدة والصحة والحياة الكريمة ومكانتنا بين دول العالم.
فالمحافظة على هذه القواعد وعى، والبناء عليها وتنميتها وعى.. وإذا لم يزد الوعى بمفهومه الشامل من داخل كل واحد منا، حبا فى البلد وليس خوفا من العقاب، فسيكون هذا الوعى هشا وستذروه الرياح.. وإذا عدنا بالذاكرة قليلا فسنجد أن ثورة 23 يوليو كان أصلها الوعى، وكذلك نصر أكتوبر، وثوره 30 يونيو، واختيار عبدالفتاح السيسى رئيسا، وحفر قناة السويس الجديدة.. ولن يتم تشكيل هذا الوعى بإعطاء دروس فى الوطنية، ولكن الوعى يتشكل من الداخل للخارج وليس العكس، فمن يزيل حجرًا من الطريق يحركه وعيه، ولا يحركه خوفه من العقاب، فلا عقوبة على من لا يزيل عثرات الطريق، وقس على ذلك أمثلة كثيرة.
ولعل ما حدث من تعدٍ على المجرى المائى فى فرع "رشيد" مثال حى على أن المواطن يؤذى نفسه بنفسه، ويؤذى غيره، وتسببت هذه التعديات فى منع وصول 70% من المياه إلى الأراضى الزراعية! وهذه التعديات جرت على مدار 50 سنة نتيجة فساد مواطنين متعدين وفساد محليات غضت البصر عن إزالتها.. وهكذا كان الحال فى الأراضى الزراعية التى تم البناء عليها، برغم أن قانون الإصلاح الزراعى حوّل المزارعين الأجراء إلى ملاك، فما كان منهم إلا أن استغلوا هذا القانون لمصلحتهم الشخصية وقضوا على ثروة مصر من الأراضى الزراعية، وبنوا بيوتا خلقت عشوائيات تدفع فيها الدولة الآن 600 مليار جنيه لإصلاحها، وتدفع تريليونات الجنيهات لإصلاح الأراضى الصحراوية لتعويض ما تم تبويره من أراضٍ زراعية طينية خصبة، وهذا سببه غياب وعى المواطن.
أتمنى أن يتم تنظيم رحلات لتلاميذ المدارس وطلاب الجامعات لزيارة مشروعاتنا القومية الضخمة وقواعد مجد جمهوريتنا الجديدة وعلى رأسها العاصمة الإدارية الجديدة درة تاج جمهوريتنا الجديدة، حتى تتعرف أجيال المستقبل على جمهوريتهم الجديدة وتشعر أن كل هذا من أجلهم وملكهم ولابد أن يحافظوا عليه وينموه.
وأقترح أن تكون هذه الرحلات فى بداية العام الدراسى ضمن المنهج الدراسى وليس رحلة ترفيهية، فكما نبدأ اليوم الدراسى بتحية العلم وأداء النشيد الوطنى، لابد أن نبدأ عامنا الدراسى أيضا بمعايشة الإنجاز الوطنى، وهذا جزء من تشكيل وبناء الوعى.
حفظ الله مصر وشعبها ورئيسها وجيشها.