محمد عبدالحافظ
على مر السنين والعهود والحكومات والأنظمة: الملكية، ثم عصر عبدالناصر وبعده السادات ومبارك، كلهم عجزوا عن نقل أهالى نزلة السمان، حتى أجهزة الإعلام المصرية والعالمية عجزت عن جعل هولاء الأهالى يتركون هذه البقعة المهمة، التى لا يجوز أن يكون فيها عشوائيات وإسطبلات للخيول والجمال، وبعض البازارات التى يملكها مليونيرات، وإذا أراد أحد أن يشاهد "الصوت والضوء" فى منطقة الأهرامات سواء كان من السائحين الذين يأتون من كل بقاع الأرض أو المصريين الذين يريدون الاستمتاع بآثار بلدهم، كانوا يضطرون للوصول إليه بعبور حوارى وأزقة نزلة السمان، وتتلوث أعينهم ببيوت عشوائية تطل منها مواسير الصرف الصحى، والغسيل المنشور على أحبال بلكونات البيوت المتهالكة، والتعامل مع سايس السيارات وبلطجة من حوله.
مافيا تجارة الآثار هى التى تقف وراء عدم نقل أهالى نزلة السمان إلى مكان آخر، وكانوا يستخدمون هؤلاء الأهالى كدروع بشرية فى مواجهة الدولة والحكومة إذا عزمت وأقدمت على هدم البيوت التى لا أوراق ملكيه لها، ولا تراخيص، وحتى من يملك ترخيصا فقد حصل عليه بالتدليس وبفساد أجهزة الإدارة المحلية على مر العصور، وكانت مافيا تجاره الآثار تتستر وراء هذه العشوائيات والبيوت القديمة، ويحفرون أنفاقا تحت هذه البيوت للتنقيب عن الآثار فى هذه المنطقة الخصبة بالآثار.
وأذكر العام الماضى عندما كنت أشرف برئاسة تحرير مجلة "آخر ساعة " كلفت عددًا من الزملاء ذوى الكفاءة العالية لعمل تحقيق استقصائى عن نزلة السمان، فعجزوا عن دخول المنطقة والتصوير فيها، بعد أن تعرضوا لتهديد من القبضايات المنتشرين بالمنطقة، يرصدون أى صحفى أو إعلامى تطأ قدمه "النزلة" وكانت الصحف ووسائل الإعلام العالمية تتعمد نشر صور الأهرامات كخلفية لعشوائيات وإسطبلات نزلة السمان.
كان هذا حال المنطقة، "دولة" داخل الدولة.. لكن لأن جمهورية 30 يونيو لا مكان فيها للمافيا، ولا مكان فيها للفساد، ولا مكان فيها لذوى النفوذ، ولا مكان فيها للبلطجة، ولا مكان فيها لمراكز القوى، ولا يعلو صوت فيها على صوت القانون والمصلحة العامة، أعدت الدولة مساكن بديلة لأهالى نزلة السمان، وتنقلهم حاليا إليها، قبل أن تبدأ فى هدم بيوت نزلة السمان التى كان تشوه وجه مصر الحضارى، وعند هدم هذه البيوت التى كان يصرخ ملاكها بأنهم ورثوها عن أجدادهم وأن الدولة "بتفترى" عليهم، وحاولوا ترويج هذه الصورة الكاذبة فى الداخل والخارج لكسب التعاطف، ولوقف الهدم، ولإبقاء الحال كما هو عليه، كشفت الدولة بالصوت والصورة عن أنفاق تحت هذه البيوت، أنفاق منظمة ومبنية بطرق هندسية صحيحة وبأدوات ومواد حديثة وتكلف حفرها ملايين الجنيهات، تحت بيوت متهالكة، ليسقط قناع المظلومية من على وجوه سارقى الآثار، ونابشى قبور أجدادنا الفراعنة.
شكرًا لدولة القانون التى أعادت للشعب حقه، فى مكان ما كان ينبغى أن يكون على هذا الحال، ويسيطر عليه عصابة تجارة الآثار.. وأرجو من الجهات المعنية أن تجرى تحقيقات شاملة عن أصحاب هذه الأنفاق، والكشف عن أسمائهم ومصادرة أموالهم وأموال عائلاتهم، وردها لخزينة الدولة، ولا تكتفى الدولة بنقل السكان وعفا الله عما سلف، لا تأخذها الرحمة والشفقة بهؤلاء الذين استنزفوا ثروة مصر الحضارية والتاريخية، وإجبارهم على الاعتراف بعدد قطع الآثار التى سرقوها ولمن باعوها، وعن شركائهم، فما وراء نزلة السمان، قطط سمان، من حق الشعب أن يعرفهم، ويقتص منهم بالقانون.. وأرجو من وسائل الإعلام أن تسلط مزيدا من الضوء على هذا الحدث الهام "التاريخى" الذى يظهر كيف أن جمهوريتنا الجديدة حريصة على "التاريخ "كحرصها على "المستقبل"، كما أرجو من الرأى العام المستنير أن يتأنى فى الحكم على كل ما يسمعه من استغاثات مصطنعة وكاذبة يروجها أصحاب مصالح، ويرجع إلى مصادر المعلومة الحقيقية، حتى تتبين الحقيقة من الكذب.
وطبعا لا يمكن أن نغفل أن شجاعة وعزم الأجهزة المعنية قد استمدت قوة اتخاذ قرار إزالة عشوائيات نزلة السمان، من القيادة السياسية، التى تعلى شأن دولة القانون.
حفظ الله مصر وشعبها ورئيسها وجيشها.