البث المباشر الراديو 9090
محمد عبدالحافظ
ما أشبه الليلة بالبارحة، الرئيس الروسى بوتين يعيد نفس السيناريو الذى فعله الرؤساء الأمريكيون والقادة الأوربيون من قبل؛ عندما أرادوا تدمير العراق وليبيا وأفغانستان.

المشهد الأول: إعلان أن البلد يمتلك أسلحة نووية.
المشهد الثانى: رئيس البلد ديكتاتور ويمارس القمع على الشعب أو على فئة من شعبه.
المشهد الثالث: شن الحرب وغزو البلد وتدمير بنيته الأساسية، والاستيلاء على ثرواته، وتسويق الأسلحة التى تنتجها أمريكا والغرب.

الاختلافات البسيطة هى:
- الرئيس الروسى بوتين لم يطلب غطاء دوليا عند غزوه لأوكرانيا كما فعل المحتلون الأوائل (أمريكا وأوروبا).
- ليس هدفه الاستيلاء على ثروات أوكرانيا كما كانوا يستهدفون.
- موّل الحرب من موازنة روسيا، وليس بأموال دول أخرى.
- لم يكوّن تحالفا من دول أخرى تؤيده وتشاركه فى فعلته.

الغريب أن الرئيس بايدن هو الذى يتزعم الحملة الدولية لمعاقبة روسيا وبوتين، ويصف بوتن بأنه مجرم حرب، وتناسى أن أمريكا هى الدولة الأولى والوحيدة التى استخدمت السلاح النووى ضد اليابان وقتلت ملايين المدنيين اليابانيين، وألزمتها بأن تكون دولة منزوعة السلاح.

وتناسى أن بلاده هى التى تزعمت معاهدة فرساى التى وقعت فى قصر فرساى بفرنسا والتى بمقتضاها تم تقسيم ألمانيا إلى شرقية وغربية وبنت بينهما سورا شتت أسرا ودمر علاقات وأهدر حقوق إنسان، وعرقل نمو دولة سنين طوالا. ومشى بايدن على درب سابقيه وأوعذ إلى الاتحاد الأوروبى كى يجتمع فى نفس القصر لكى يصدر قرارات عقابيه ضد روسيا، حتى يذكر بوتين بمصير ألمانيا عندما تحدت أوروبا.

وتناسى أن أمريكا التى استخدمت -ومازالت- الفيتو عشرات المرات لوقف عقاب إسرائيل التى تحتل فلسطين وتقتل الفلسطينيين وتدمر منازلهم وتستولى على أراضيهم، وتعتدى على المقدسات الدينية، وتدعمها فى استمرار احتلالها لهضبة الجولان السورية، وساعدتها فى المجازر التى ارتكبتها فى جنوب لبنان.

وواشنطن كانت اللاعب الرئيسى فيما أسمته بالربيع العربى الذى قضى على مستقبل بلاد وشعوب عربية، ولولا فضل الله علينا لكانت مصر مثل تلك البلاد.

وظنى أن أمريكا هى الرابح الأول من حرب روسيا على أوكرانيا، وأحسبها المحرض الأول على ما فعله الرئيس الأوكرانى لاستفزاز الدب الروسى، لأنها كانت تريد كسر شوكة روسيا، وإعادة النظام العالمى إلى "القطب الواحد".. ووقف خط أنابيب الغاز "نورد ستريم 2" الممتد من روسيا إلى ألمانيا، والذى تنفذه شركة سويسرية، لأنه كان سيضع كل أوروبا تحت عباءة روسيا فى الاعتماد على مصدر الطاقه للصناعة والتدفئة، ويدعم السلام والشراكة بين الشرق والغرب، وهذا ليس فى مصلحتها.. وتحقق هدف إعلان الشركة السويسرية الانسحاب وتسريح العمالة، ووقف المشروع الذى كان فى مرحلته الأخيرة، وكان من جراء الحرب ارتفاع برميل البترول الذى تنتجه أمريكا إلى 105 دولارات للبرميل بزيادة ما يقرب من 20 دولاراً فى البرميل، وهذا فى صالح الخزانة الأمريكية، ووعد الرئيس بايدن مواطنيه بعدم تأثرهم سلبا بهذه الزيادة، أى أنه لن يرفع أسعار المحروقات فى بلاده، رغم أنها زادت فى كل أنحاء العالم..

الهدف الثانى: يتحقق بعد أن أقر الاتحاد الأوروبى تخصيص مئات الملايين من الدولارات لمد أوكرانيا بالسلاح، وطبعا هذا المبلغ ستستفيد منه مصانع الأسلحة الأمريكية..

الهدف الثالث: لم يتحقق بالكامل وهو إنهاك الاقتصاد الروسى وإضعاف نظام بوتين وتقليص شعبيته لتسهيل مهمة إقصائه من الحكم لأنه قائد يطمح إلى استعادة قوة ومكانة الاتحاد السوفيتى، التى كانت أمريكا وراء تفكيكه عام 1991 على يد أخر رئيس للاتحاد السوفيتى ميخائيل جورباتشوف، وإعادة العالم إلى نظام القطب الواحد (الأمريكى طبعا).. ولذا فأمريكا حريصه كل الحرص على استمرار أمد الحرب لأبعد مدى لاستنزاف روسيا اقتصاديا وعسكريا، ولأنها تعلم أن أوكرانيا لن تنتصر!

ما سردته لا يعنى أننى مع احتلال دولة لأخرى أيا كان المبرر والهدف، ولا مع أن تكون الحرب هى الحل الوحيد والأمثل لفض أى منازعات، ولا لأننى منحاز لفريق ضد فريق آخر، فأنا لا أنحاز إلا لبلدى والشعب الذى أنتمى إليه فقط، لأن كلا الفريقين يسعى لتحقيق مصلحته فقط، ولكننى حاولت اجترار بعض من صفحات التاريخ التى يجب ألا ننساها.. حتى يكون انحيازنا المطلق والأبدى لبلدنا، فما يجرى الآن هو كسر لكل قواعد الإنسانية والمبادئ والأعراف والأخلاق والقوانين الدولية، والقادم أسوأ، فكيف تدخل سويسرا المحايدة (طول عمرها) لتكون ضد روسيا، وكيف يتم طرد دبلوماسيين يتمتعون بالحصانة من الأمم المتحدة لمجرد أن الدولة المضيفة للمنظمة الدولية ضد بلدهم، وكيف يصدر الفيفا قراراً بمنع فرق رياضية من اللعب بسبب موقف سياسى!.. وكيف تسمح الدول الكبرى -التى تدعى انها حاميه لحقوق الإنسان- أن يهتز الاقتصاد العالمى، وتتأثر الدول الفقيرة والنامية، والدول التى كانت واعدة، ويصل حجم ديونها الخارجية إلى 60% ؜من إجمالى الدخل القومى، وتصبح غير قادرة على سداد مديونياتها وأخرى تكون على شفا الإعلان عن إفلاسها، ودولا فى إفريقيا تعانى من مجاعة.. وكان يمكنها أن تساهم فى إنقاذ هذه الدول وإسقاط ديونها أو جزء منها، وتعويض النقص من الحبوب الذى نتج عن الحرب، بدلا من أن تستغل ذلك وتضاعف أسعاره.. وبدلا من الإنفاق على شراء السلاح لأوكرانيا لإطالة أمد الحرب لغرض فى نفس يعقوب، تدعم الدول النامية والفقيرة، لكن ثمن إعادة تشكيل النظام العالمى (سياسياً واقتصادياً) تدفع ثمنه الدول الفقيرة والنامية والتى كانت واعدة.

الحرب مقيتة ومشاهد القتل والهدم والتخريب تدمى القلوب، لكنها ستظل جرس إنذار لكل الشعوب لكى تحافظ على أوطانها، وتعطى رسالة مفادها أن "المتغطى بدولة أخرى غير بلده عريان"، وأنه كلما تمتعت الدولة بالاكتفاء الذاتى من احتياجاتها، وذاد إنتاجها ودخلها القومى، كانت صاحبة كلمة وصاحبة قرار، وأن القوة العسكرية الذاتيه للدفاع عن الوطن ليست رفاهية بل تتساوى مع رغيف العيش.

الجيش الوطنى نعمة، والقائد الحكيم الذى يجنب شعبه ويلات الحرب ويردع أعداءه دون طلقة رصاص هبة من عند الله.

من يملك قوته وبندقيته يملك حريته.

حفظ الله مصر وشعبها ورئيسها وجيشها.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز