محمد عبدالحافظ
وطبعا تعرض محمود لهجوم من الأسوياء الذين أزعجهم ما يقوله ابن عن والده، ولكن كان هناك على الطرف الآخر من وجدها فرصة ليوغر صدر الأبناء على آبائهم سواء المنفصلين عن أمهاتهم أو الذين لا يراعون أبناءهم، وهذه هى الطامة الكبرى التى تفسد المجتمع وتنشئ جيلا بعيدا عن الدين والأخلاق، فالدين لم يربط طاعة الأبناء وبرهم بوالديهم بصلاح آبائهم معهم، ولكنه لابد أن يكون برا مطلقا لا نهائيا، حتى لو كان الأب "سكير"، أو الأم "رقاصة" ولو أراد الابن أن يعاتب أباه أو أمه فلابد أن يكون ذلك بالحسنى وبالأدب، ويكرر ما يفعله "مرة واتنين وتلاتة"، بلا ملل أو كلل، وأن يرعاهما فى مرضهما وفى عجزهما، أيا كانت معاملتهما معه، فالحب والاحترام والبر والطاعة من شيمة الأبناء الصالحين.
وتذكروا أن سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء عليه السلام عندما طلب من ابنه - الوحيد الذى رزقه الله به وهو عجوز - أن يذبحه، ماذا قال له إسماعيل؟ لم ينهره، ولم يبتعد عنه، ولم يصفه بالجنون، ولم يتهمه بالقسوة، ولم يقل "مفيش أب يطلب كده من ابنه"، وردود كثيرة كان يمكن أن تقال من ولد فى موقفه، ولكنه قال لأبيه بأدب وطاعة: "يا أبتِ افْعَلْ ما تُؤْمَر"، وسلم لأبيه رقبته ليذبحه، لم يذكر الله لنا هذه الحادثة فى القرآن لنتسلى بها، ولكنها عبرة وآية لتنفيذ أوامر الله، وكيف يكون الأبناء فى طاعة آبائهم، طالما لم يدعوهم إلى الشرك بالله، حتى وأن طلبوا ذلك فلم يأمرنا الله الذى أشركوا به أن يقاطع الأبناء الآباء، بل أمر الله أن يصاحبهم فى الدنيا معروفا.
ولقصة سيدنا إبراهيم عليه السلام عبرة أخرى عندما ظل يستغفر الله لأبيه آزر رغم أنه جاهده على الكفر وترك قومه يلقونه فى النار.
هناك كثيرون أمثال محمود سعد تأخذهم العزة بالإثم، وينسون أن فضل الله عليهم عظيم، فكم من أبناء عاشوا بين آبائهم ولم يغنموا من الدنيا ما حظى به سعد.
ياسادة، المجتمع انهار عندما ابتعدنا عن الدين وتعاليمه وأوامره، فعلاقة الآباء (أب وأم) بأبنائهم منصوص عليها فى القرآن، وعلاقة الزوج بزوجته يسرها القرآن، والمواريث فصلها القرآن، والزواج والطلاق حددها القرآن، وكلها حدود الله فلا تعتدوها.
الله الذى خلقنا ويعلم ما فى نفوسنا ويعلم طبائع البشر قد شرع لنا ما يتناسب معنا فى كل زمان ومكان، فالتزموا بحدود الله.
على الأبناء الطاعة والبر لآبائهم (أب وأم) فى الحياة، والدعاء لهم بعد الموت.
اللهم ارزقنا بر أبنائنا، ورضاء آبائنا، واجعلنا من الصالحين الذين يدعون لآبائنا وأمهاتنا بعد انقطاع أعمالهما.