البث المباشر الراديو 9090
محمد عبدالحافظ
ما أقسى الوجع وآلامه.. والوجع ليس له درجات، ولكن الذى يختلف درجة تحمل الألم من شخص لآخر، فما تراه أنت هيناً، ينوء به ظهر آخر، فالوجع كله واحد، فالمرض البدنى وجع، والمرض النفسى وجع، والفقر وجع، والقلق وجع، والخوف وجع، والفراق وجع.. وفى النهاية (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلا وُسْعها)، فإياك أن تستهين بآلام الغير، بل احمد ربنا على قدرتك على تحمل ما لا يطيقه الآخرون.

تعرضت لآلام مبرحة استمرت ما يقرب من أسبوعين كاملين، فى منطقة المعدة والأمعاء، وأجريت خلالها فحوصات وتحاليل، لم تظهر شيئا، وأوصى الأطباء بمسكنات وبعض الأقراص المتداولة لعلاج المعدة وارتجاع المرىء، ولأننى مريض مطيع جدا، نفذت كل ما قاله الأطباء بالحرف الواحد فى الغذاء والدواء والسلوك اليومى، ولكن الآلام كانت تزورنى كل يوم فجراً، وأنا أحاول إخفاء معاناتى وأُدارى أوجاعى عن أولادى، ولا تغادرنى إلا بعد صلاة الظهر.. إلى أن جاء اليوم الموعود.

الآلام بدأت فجرا وأبت أن تغادرنى وتركزت فى مكان واحد فى المنطقة اليمنى أسفل البطن، ولم أستطع تحملها أو إخفاءها، وذهبت إلى نفس المستشفى واستقبلونى فى الطوارئ بنفس الإجراءات، من "سونار" وتحاليل وأشعة، ولكن هذه المرة شخص الأطباء وجعى على أنه "الزائدة"، وقرروا حجزى فى المستشفى لإجراء جراحة عاجلة لاستئصالها لأنها -كما قالوا- تضخمت بشكل مفزع، والتهبت التهابا خطيرا، وانفجرت وسيطر على الانفجار غشاء البطن بفضل الله، ولحسن حظى أننى لم أتناول أى طعام قبلها بيوم كامل تجنبا للوجع، ودخلت غرفة العمليات قبل منتصف الليل بنصف ساعة، ولم يبذل الأطباء مجهودا فى تخديرى، فقد كنت فى حالة خوف شديد وتملكنى إحساس بأننى سأخرج من العملية ميتا، كما أننى من غير المدخنين فغبت عن الوعى قبل أن يسرى المخدر فى عروقى، وخرجت ونقلت -بفضل الله- إلى غرفتى بعد ساعتين.

وخلال تواجدى فى غرفة الإفاقة أحسست برعشة شديدة وبرد قارس لا يطاق فوجهوا لجسدى هواء ساخنا إلى أن توقفت الرعشة، وفى اليوم التالى بدأت الآلام تسرى فى سائر جسدى، فى الكتف والصدر والبطن من الجانبين وفى مكان الخرطوم المغروس داخل جسدى فى المنطقة ما بين المثانة والمستقيم، وواجه الأطباء هذه الآلام بمخدر كان يغيبنى عن الوعى وعن الآلام إلى أن يبطُل مفعوله، فضلا عن المعاناة اللامتناهية فى الرحلة لدخول الحمام.

وفى اليوم التالى قرر الطبيب المعالج استبدال المسكنات بالمخدر، فزادت الآلالم التى لم أتحملها وبخاصة أن محاولاتى للإخراج فى الحمام كلها باءت بالفشل طوال ما يقرب من 36 ساعة.

وفى اليوم الثالث توقفت المحاليل المغذية، وبدأت فى تناول طعام مهروس ومضروب فى الخلاط لا طعم له ولا مذاق، وحان موعد مغادرتى المستشفى، ويالها من لحظة صعبة فهو موعد إخراج الخرطوم من فتحة فى الجهة اليسرى من البطن بطول ١٥سنتيمترا، بدون تخدير وألهانى الطبيب فى حديث وسحبه وأحسست أن روحى تخرج من جسدى، ألم لحظى رهيب.

وعدت إلى منزلى بحمد الله وكنت أظن أنى لن أعود، عشرة أيام عشتها فى وجع ما بعد الجراحة وفك السلك، وعندما سألت الطبيب عن وجع الصدر والجهة الخلفية من الكتف وعلاقة ذلك بالزائدة المستأصلة من أسفل البطن، أخبرنى أن الاستئصال بالمنظار يستوجب نفخ الجسم بمنفاخ، وهذا يؤثر على هاتين المنطقتين.. قصة وجع مؤلمة، اللهم لا تبتلِ أحدا من خلقك بها.

أردت أن أسردها عليكم وأشارككم ما تعرضت له من الآلام، ليحمد كل شخص الله على نعمه الكثيرة التى تعودنا عليها دون أن ندرى أنها "تستاهل" الحمد والشكر ليل نهار، أن تأكل ما تريد وقتما تشاء نعمة، دخول الحمام نعمة، أن تتنفس بحرية نعمة، أن تغمض عينيك وتتقلب على سريرك نعمة.. نعم الله علينا كثيرة "وإنْ تَعُدُّوا نعمةَ اللهِ لا تُحْصُوها" (النحل18).

اللهم أدم علينا نعمك واحفظها من الزوال.

ودعونا نردد ما جاء فى القرآن الكريم: "رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ" (البقرة 286)، وما دعا به سيدنا عيسى عليه السلام "ربنا لاتدخلنا في تجربة".

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز