البث المباشر الراديو 9090
محمد عبدالحافظ
آفة عصرنا أن كل شخص غنى و"مريش" يتعامل مع الحياة وكأنه يستطيع شراء الحجر والبشر.. ورافع شعار "بفلوسى".. وظنى أنه فى ظل الظروف الاقتصادية الطاحنة التى تجتاح العالم وتأثيرها السلبى الظاهر فى الأسواق الناشئة ومنها مصر، لم يعد مقبولا أن نسمع مثل هذه الكلمة.

فلو أن فى مصر 10 ملايين يستطيعون شراء أى شىء بفلوسهم، فهناك 90 مليونا غيرهم لا يستطيعون، والدولة تسندهم وتدعمهم من خلال بطاقة التموين أو معاش "تكافل وكرامة" أو "التأمين الصحى" أو التعليم المجانى أو دعم المواصلات العامة أو الإسكان الاجتماعى أو رغيف العيش "أبو 5 قروش".. إذًا فالدولة أعباؤها تزيد مع كل طلعة نهار فى الأزمة الاقتصادية العالمية الطاحنة، وأولى مظاهر هذه الأزمة هو تدبير العملة الصعبة لأن أكثر من 50% من احتياجاتنا الأساسية نستوردها من الخارج.

وبالتالى فمن غير المقبول أن تكون الدولة مضطرة إلى تدبير العملة الصعبة لشراء السيراميك والأدوات الصحية المستوردة لتأثيث الفيلات والقصور والشقق الفخمة للناس اللى معاها "فلوس" طالما بيدفعوا.

ومن غير المقبول تدبير عملة صعبة لاستيراد الجبن والألبان والشيكولاتة المستوردة -ولاداعى لذكر أنواع الجبن التى يتم استيرادها من سويسرا وفرنسا وهولندا- ولا يعرفها سوى قله من رواد الساحل الشرير، ونست المياه المعدنية المستوردة ماركة "ايفيان".

ومن غير المعقول تدبير عملة صعبة لاستيراد الخمور لأصحاب المزاج.

ومن غير المتصور أن ننفق عملة صعبة على الأكل المجفف للكلاب والقطط .

ومن غير المتصور أن ندبر عملة صعبة لاستيراد مستحضرات التجميل، والبوتكس وغيره لزوم النفخ والشفط والنحت وخلافه، ونتحايل على البنوك على أنها أجهزة وأدوات ومستحضرات طبية.

ومن غير المقبول أن نستمر فى استيراد السيارات بهذا الشكل الجنونى حتى لو كسبنا من جماركها، فخسارة العملة الصعبة تتجاوز بكثير المكسب من عائدات جماركها.

 ومن غير المقبول أن نظل نستورد ملايين التليفونات المحمولة كل سنة، حتى يفتخر حاملها أنه يملك النسخة آخر موديل.

ومن غير المقبول أن يستمر التحايل على البنوك فى تدبير العملة من خلال شراء حاجات تافهة "أون لاين" بالعملة الصعبة ويدفع المشترى للبنك بالعملة المحلية لاقتناء أحذية وأدوات تجميل وملابس وإكسسوارات.

ومن غير المقبول أن يتم السماح لبعض الجامعات والمدارس الموجودة على الأراضى المصرية بتحصيل المصروفات بالعملة الصعبة.

ومن غير المقبول أن يستمر استيراد الأجهزة الكهربائية من الخارج "بوتاجازات وتليفزيونات وغسالات ودراجات" ولدينا بدائل محلية على مستوى عالٍ من الجودة.

كل هذه الأشياء اللا معقولة واللا مقبولة وغير المتصورة، يتم إهدار العملة الصعبة فيها إرضاءً لمن معه "فلوس".. ونحن فى أمس الحاجة إلى كل دولار ويورو لشراء القمح والزيت والذرة والأدوية والأجهزة الطبية وأدوات الإنتاج وقطع غيار المصانع والسيارات الموجودة ومعدات التشييد، ونضطر إلى اللجوء للاقتراض من البنك وصندوق النقد الدوليين بشروطهما المجحفة، التى تزيد من الأعباء على الدولة والشعب.

الحكومة بدأت فى إجراءات الترشيد والتقشف فى الطاقة والاستهلاك، والشعب أيضا بدأ التقشف والترشيد، إما لوعيه بأهمية ذلك، وإما لضيق ذات اليد، المهم النتيجة واحدة، فى حين أن اللى معاهم "فلوس" يتقشفون ولا يوفرون!

ما ذكرته من اللا معقول واللا متصور واللا مقبول هو غيض من فيض يتم إهدار العملة الصعبة فيه، وهذه رفاهية لا تملكها مصر حاليا فى ظل الأزمة الاقتصادية العالمية التى لم تصل لذروتها بعد.

ولنبدأ من الآن فى وقف هذا النزيف الدولارى، والفرصة قائمة وما لا يدرك كله لا يترك كله.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز