محمد عبدالحافظ
وأقنعوهم بأنهم يجيدون قيادة القطار وإدارته، وسيقدمون لهم الخدمة بطريقة أفضل وسيصل كل راكب إلى وجهته بشكل أيسر وأسرع وآمن، ومن شدة غضب الركاب وزهقهم، انساقوا وراء الإخوة، ومكنوهم من الاستيلاء على القطار.
وتولى الإخوة أمر قيادة القطار وإدارته، وانتظر الركاب وعود الإخوة بأنهم سيشاركون من يصلح من الركاب فى إدارة القطار وقيادته، ولكنهم فوجئوا بأن الإخوة استحوذوا على كل شيء فى القطار حتى تمكنوا من القطار بالكامل، ولم تظهر أى بادرة تحسن فى رحلة السير، بل إن الأعطال زادت، وفترات توقف القطار طالت عن السابق، ولاحظ الركاب أن القطار يتوقف فى أماكن غير المحطات وليست مأهولة، ويستقله قطاع طرق مسلحون، دون تذاكر، وتعطلت الخدمات فى القطار فأصبح بلا مياه، وأظلمت عرباته، وتعطل تكييفه لإصابة عربات الطاقة المغذية الملحقة بالقطار.
وكلما اشتكى الركاب لأحد من الإخوة نهرهم، وبرر ذلك بأن هناك من يتعمد تعطيل القطار، ليدارى فشله وإخوته فى تسيير القطار وإدارته، ووصل سخط الركاب إلى ذروته عندما تعطل القطار تماما، وأصبح غير قادر على استكمال الرحلة، فهدد الركاب الإخوة بأنهم يريدون تغييرهم بآخرين قادرين على تسيير القطار وإدارة خدماته بعد أن أثبتوا فشلهم فثار الإخوة وقالوا لهم: لن تجرؤوا أن تفعلوا ما فعلتوه بالسابقين، فنحن المسيطرون ونحن من نملك زمام الأمور، وقطاع الطرق يحموننا فلجأ الركاب إلى رجل رشيد ومعه أصحابه الأشداء الأقوياء، واستنجدوا بهم، ليتفاوضوا مع الإخوة ويحموهم من بطشهم، فمن بين الركاب النساء والأطفال والعجائز والشباب العزل لا يستطيعون مواجهة الإخوه ولا يتحملون بطشهم.
فاستجاب الرجل الرشيد وأصحابه، وراحوا يتفاوضون مع الإخوة ويقنعوهم بأن القطار توقف ومن بين الركاب من يحتاج العلاج ومن يريد طعاما ومن يريد الذهاب إلى مدرسته وجامعته ومن يريد أن يلحق بعمله، وعرضوا عليهم قيام مجموعة أخرى بقيادة القطار وإدارة خدماته لإعادة المسيرة، ولكن التفاوض وصل لباب مسدود، بعد أن لوح الإخوة باستخدام السلاح وقتل كل من يعترض عليهم، ملوحين بالأسلحة الموجودة مع قطاع الطرق الذين سمحوا لهم بالركوب وخصصوا لهم عربة مستقلة تتوسط القطار، وتبين أنهم كانوا يخططون لفصل القطار وتدميره وإحراقه إذا دعت الظروف لذلك.
لم يقبل الرجل الرشيد وأصحابه الأشداء على الظلم، لغة التهديد، وقالوا للإخوة: لن نسمح لكم بتدمير القطار أو العبث به أو المساس بأى راكب، ونحن الذين سنواجهكم، فلما أحسوا ببأسهم وقوتهم، عرضوا عليهم الانضمام للإخوة، فرفضوا.
وبدأ الإخوة بالفعل فى استخدام العنف، وحرق كراسى القطار وتكسير زجاج الشبابيك، وقتل كل من يقف فى وجههم، وغادر عدد من الإخوة القطار وتسلل آخرون بين الركاب، وولى الركاب الرجل الرشيد زمام الأمور، ورضى بتولى المهمة الصعبة، وطلب من الركاب مساعدته فى إعادة تأهيل القطار لمواصلة مسيرة السير وبدأ باصلاح الشبابيك المكسورة، ثم إصلاح عربة الطاقة فعاد النور والتكييف إلى العربات، وتم ملء خزانات المياه، وتزويد مخازن الطعام بالمستلزمات الحيوية، لخدمة الركاب، وتغيير عجلات القطار، وتجديد العربات، وبدأت الرحلة من جديد، وواجه القطار أعاصير وأمطارا وثلوجا أعاقت مسيرته نسبيا، ولكنه لم يتوقف وظل سائرا فى رحلته.
أصيب عدد من الركاب بمرض معد فتم تجهيز عربة وعزل المرضى فيها إلى أن تم شفاؤهم، وعادت المسيرة من جديد دون أن يحدث أى نقص فى الأدوية أو الغذاء أو الخدمات المقدمة فى القطار، ثم فوجئ الركاب بصراع دائر بين عائلتين فى إحدى المحطات التى من المفروض أن يتم تموين القطار منها بالوقود والغذاء، فاضطر القائمون على إداره القطار إلى اللجوء للمحطة التالية التى تبيع ما يحتاجه الركاب بأسعار أغلى، الأمر الذى حمل الركاب نفقات أكثر، لكن الأمر الإيجابى أن كل ما يحتاجه الركاب فى متناولهم، والقطار مؤمن من أى محاولات للسطو عليه أو التعرض للركاب، وفى كل محطة ومع كل إجراء لإصلاح وتحديث القطار لزيادة سرعته وقدرته على المسير بصورة أكثر كفاءة وأكثر قدرة، كان الإخوة يوسوسون فى أذن الركاب للتهوين من الإصلاحات التى حدثت للقطار، وأنه كان من الأجدى بدلا من إصلاح القطار وتحديثه، تعويض الركاب عن الفارق فى أسعار الغذاء والوقود، ويحرضونهم على الاعتراض والعمل على إيقاف القطار مرة أخرى.
لكن صورة الحرائق والدمار والتخريب الذى حدث للقطار عند توقفه أول مرة لا تزال عالقة فى أذهانهم وحالة القطار الجيدة التى ينعمون بها جعلت الوسوسة غير مجدية معهم ولم يأتِ التحريض بنتيجة، واستمر الركاب فى التمسك بما بدأوه وفى دعم الرجل الرشيد، فلن يجربوا مرارة ما ذاقوه جراء توقف قطارهم مرة أخرى، وجميعهم ينتظر التمتع بفرحة وصوله إلى محطته بسلام دون تأخير أو ضرر، فالركاب كانوا أذكى من أن يجربوا لدغ الإخوة مرتين.