البث المباشر الراديو 9090
محمد عبدالحافظ
قراءة التاريخ ليست رفاهية، وليست تضييعًا للوقت ولا للتسلية، ولكنها بوصلة للحاضر والمستقبل؛ فأهمية التاريخ كأهمية المرآة بالنسبة لسائق السيارة، فلا يكفى أن ينتبه إلى من أمامه ليصل إلى وجهته سالمًا، ولكن لابد أن ينظر من آن إلى آخر فى المرآة؛ ليرى خلفه؛ ولتكتمل سلامته من الحوادث.

وكما يقول الكاتب الكبير الراحل أحمد بهاء الدين فى كتابه "أيام لها تاريخ"، إن الفارق بين الإنسان والحيوان، هو أن الإنسان له تاريخ، وكلما زادت معرفة الأمم بالتاريخ، كلما كانت أكثر وعيًا وإدراكًا، وأصبحت قادرة على تخطى الأزمات، ومواجهة الصعاب، وتحقيق التقدم.

والتاريخ ليس أحداثًا، ولكنه أشخاص صنعت هذه الأحداث، ومن هنا يجب، ونحن نسعى لزيادة الوعى عند الرأى العام فى جمهوريتنا الجديدة، أن نستدعى القدوة، ونبجلها، ونضعها فى مكانها الطبيعى؛ لتصبح رمزًا للأجيال الجديدة، وأن تكون هذه الشخصيات فى الصفوف الأولى.

ولا يكون القدوة "البلوجرز"، وأصحاب أغانى المهرجانات، وغيرهم من الراقصات، وممثلى الدرجة الثالثة الذين يشيعون الفساد من بلطجة، ومخدرات، وخيانات، ويرفعون شعار أن هذا هو الواقع، "واللى معاه قرش يساوى قرش"، واللى ما معهوش ما يسواش"!.. ثم يأتى إعلاميون ليجعلوا هؤلاء نجومًا وقدوة للشباب، تاركين علماء، وأطباء، ومهندسين، ومفكرين، وأدباء، ومبدعين، وأبطالا، تذروهم الرياح دون أن يسلطوا عليهم الأضواء، فكم من أطباء أنقذوا حياة مرضى، وكم من مهندسين اخترعوا ما ييسر علينا الحياة، وكم من أدباء أناروا لنا الطريق، وكم من مدرسين، وأساتذة جامعات تخرج على أيديهم ملايين الطلاب "باستثناء مدرسى ودكاترة السناتر والدروس الخصوصية"، فضلا عن علماء فى معاملهم أفادوا البشرية.

وقد يؤدى اختيار طبيب مثلًا فى منصب إدارى إلى إيذاء هذا الطبيب والمنصب معًا؛ فالطبيب الناجح و"الشاطر"، أصبح كذلك، لأنه مستغرق فى العلم المتعلق بعمله، وإسناد منصب إدارى له؛ سيفسد وقته فى الأعمال الإدارية، ويستهلك تفكيره فيما هو أدنى تاركًا ما هو أسمى؛ فمثلًا: هل من الأوفق أن نأتى بالدكتور مجدى يعقوب، ونجعله وزيرا؟، الإجابة: طبعًا لا؛ فالعمل السياسى "ليه ناسه المدربين عليه والمتمرسين فيه والمتفرغين له".. كل ما أريد أن أقوله: إن علينا أن نعظِّم كل إنسان فى مجاله؛ حتى يصبح قدوة حقيقية، ورقمًا صحيحًا فى مجاله.

ودعونى أسرد لكم بعض الأمثلة؛ فمثلًا الفنان الكبير يوسف وهبى لم يستثمر أمواله فى مقهى، أو فى محل أسماك، ولكنه استثمرها فى مسارح والإنفاق على الفرق المسرحية، فخلَّد اسمَه عميدًا للمسرح العربى.. والفنان الشامل محمد فوزى، استثمر أمواله فى شركة أسطوانات، وكذلك الموسيقار الكبير محمد عبدالوهاب، ولن أذكر النقيض لهؤلاء الآن.

الوعى هو أساس تقدم الأمم، والوعى مصدره التاريخ، والتاريخ يصنعه العظماء، والعظماء لابد وأن يكونوا فى أول الصفوف.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز