البث المباشر الراديو 9090
محمد عبدالحافظ
مسرحية "السكرتير الفنى" لفؤاد المهندس وشويكار، تحتوى على مشهد فكاهى شهير يجمع المدرس وناظر المدرسة وتلميذا ووالده "بائع السمك" الذى حضر للمدرسة ثائرا ويشكو من حصول نجله على "صفر" فى كل المواد، ويقول: "هو أنا بدفع دم قلبى؛ علشان ابنى ياخد صفر؟ طيب كنتم خلتوهم صفرين، فى العربى والحساب".

ويكمل ابنه: وفى الجغرافيا يابا، فيرد بائع السمك متسائلا: إيه الجغرافيا دى ياواد؟ فيرد التلميذ: بتاعة الأرض كروية تلف حول نفسها، فيندهش الأب ويسأل المدرس والناظر: أنتم بتعلموا الواد حاجات غلط؟ الأرض إزاى بتلف، يعنى المحل بتاعى الصبح يبقى فى باب الشعرية على المغرب ألاقيه فى روض الفرج، وقرر إخراج نجله من المدرسة قبل ما المدرسين "تبوظله" عقله.

تذكرت هذا المشهد الهزلى وأنا أتابع ما يجرى من التعليقات الرافضة لاعتزام الدولة زيادة رسوم توثيق عقود الزواج والطلاق لصالح صندوق الأسرة للإنفاق على الأطفال اليتامى وأبناء الطلاق، الذين يتكفل بهم بنك ناصر بعد أن بلغ عجز موازنته لهذا البند فقط مئات الملايين من الجنيهات، وما دار على وسائل التواصل الاجتماعى وفى الفضائيات المضادة، من تعليقات تدور كلها حول أن الدولة تخترع رسوما جديدة، وأن هذا سيدفع الشباب إلى العزوف عن الزواج أو اللجوء إلى الزواج العرفى، للتهرب من دفع الرسوم، وتعاملوا مع الموضوع على أنه اختراع حكومى جديد للجباية، وكل هذا يؤكد أن هناك الملايين من الذين يفكرون بعقلية بائع السمك فى المسرحية - مع احترامنا لكل صاحب مهنة شريفة- الذى يرفض فكرة أن الأرض كروية ويتخذ مواقف خاطئة مضرة بناء على فهمه الخاطئ.

وذلك لأن الأمر ببساطة لا يعدو عن كونه تعديلا لقانون موجود منذ عام 2004، حيث صدر القانون رقم 11 ونشر فى الجريدة الرسمية يوم 18 مارس من نفس العام وتم تطبيقه فى اليوم التالى للنشر، ويقضى بإنشاء صندوق للأسرة تابع لبنك ناصر الاجتماعى، ويكون أحد مصادر تمويله فرض رسوم على وثائق الزواج والطلاق واستخراج شهادات الميلاد، بواقع 50 جنيها على الزواج ومثلها على الطلاق، و20 جنيها عند استخراج أول شهادة ميلاد.

وتم تعديل هذا القانون فى عام 2015 ليزيد الرسم إلى 100 جنيه، وإضافة رسم 4 جنيهات على استخراج القيد العائلى، بموجب القانون رقم 113 ونشر فى الجريدة الرسمية يوم 12 نوفمبر من نفس العام، وتم تطبيقه فى اليوم التالى للنشر.

إذن فكل عقود الزواج والطلاق وشهادات الميلاد منذ عام 2004 قد تم تحصيل رسوما عنها لصالح صندوق الأسرة، الذى هو فى حقيقة الأمر ليس بدعة ولا اختراعا جديدا، وكل ما فى الأمر أن مبلغ الـ100 جنيه لم يعد مناسبا، والحكومة مازالت تعد مشروع القانون الجديد لزيادة هذه الرسوم، وكان من الأولى الانتظار لحين ظهور مشروع القانون إلى النور ثم يتم مناقشة مواده والرسم الجديد.

لكن هكذا تدير السوشيال ميديا الأمور، وتطمس الحقيقة عن الرأى العام، وتوجهه وجهة مضادة، وتسلب وعيه، ليس فى هذا الموضوع فقط، ولكن فى أمور أخرى كثيرة، لكنى أردت فقط أن أكشف مؤامرة الإعلام المضاد للبلد، والكتائب الإلكترونية المتربصة الممولة من الخارج.

احذروا الانسياق وراء كل ما يكتب ويذاع، وتبينوا الحقيقة، ولا تجعلوا قوى الشر تسلب وعيكم.

وأذكر نفسى وزملائى الصحفيين والإعلاميين، أن العبء يزيد علينا كل يوم، ويفرض علينا أن نعرض للرأى العام الحقيقة أولا بأول، ليس لتكذيب "قوى الشر"، ولكن لأن الحقيقة هى التى تؤدى إلى وأد أى تضليل قبل أن ينتشر، ويرتدى رداء الحق.

الأرض ستظل كروية وتدور حول نفسها، ولو كره بتاع السمك - فى المسرحية - وأمثاله فى المجتمع.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز