البث المباشر الراديو 9090
محمد عبدالحافظ
لأول مرة من 34 عاما منذ بدء الكتابة، يعصيني قلمي، وكيف يعصيني بعد أن أصبحنا كالتوأمين الملتصقين. فهو رفيق دربي في السراء والضراء، يحب معي، ويضحك معي، ويبكي معي، ويغضب معي، ويسامح معي، ويعاقب معي.. تابعنا حروبا وانتصارات ومؤتمرات وزلازل وكوارث، وإعمارا وازدهارا، وأفول دول وظهور دول، سافر معي لأكثر من 27 دولة في مختلف أنحاء العالم، كان يطاوعني في أي شيء، وكثيرا ما روضنا الكلمات معا، كنت أكتب به ما أشاء وقتما شئت في أي مكان وأي ظروف، في الهدوء والصخب.. وبمجرد أن أمسك به يكشر عن نابه استعدادا للكتابة، ولا يترك يدي ولا أتركه إلا بعد الانتهاء من الكتابة.. وفي هذه المرة أبى أن يستجيب، رافعا حالة العصيان والتمرد والغضب، حزنا وكمدا على مذابح غزة.

أكتب معاناة غزة، فيمحوها ويكتبها مذابح غزة، أكتب غارة إسرائيلية، فيكتبها إبادة إسرائيلية، أكتب الجيش الإسرائيلي، يكتبها قوات الاحتلال، أكتب الصمت العربي يكتبها الخذلان العربي، أكتب مجلس الأمن، يكتبه مجلس العار، أكتب الأمم المتحدة، يكتبها العصابة المتحدة.. أكتب أمريكا يكتبها المتآمرة.. أكتب الإنسانية يكتبها اللاإنسانية، أكتب فلسطيني يكتبها شهيدا أو سجينا أو لاجئا، أكتب مستشفى فلسطيني يكتبها حطاما، أكتب مدرسة غزاوية يكتبها أطلال.. أكتب طفلا أو رضيعا فلسطينيا يكتبه جثة، أكتب امرأة فلسطينية، فيكتبها أم ثكلى أو أرملة وأكثر المرات رفات.. وفي كل مرة أكتب عدد الشهداء والمصابين يزيد العدد ضعفين.. أكتب نتنياهو يكتبه هتلر.. أكتب الأمة الإسلامية يكتب غثاء السيل، أكتب الفاتيكان يكتبه المغيب.. أكتب غزة يكتبها المنكوبة أو المقبرة الجماعية.

الكلمة الوحيدة التي لم يعصني فيها قلمي ولم يغيرها، هي: يارب.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز