البث المباشر الراديو 9090
محمد عبدالحافظ
اتشحت حمائم السلام البيضاء بالسواد في غزة، كساها سواد غبار الحرائق ودخان انفجارات القنابل والبارود، ما عادت تطير حتى لا تنفض أجنحتها ورياح السماء لونها الجديد، حطت على أسطح ما تبقى من مباني، رفضت أن تتوارى فهي تريد أن تموت شهيدة، تضامنا مع الرضع والأطفال والعجائز والنساء الذين يموتون كل دقيقة، فالموت أشرف لها من أن تعيش في بلد ركام الموت، أشرف من أن ترى الظلم، وهي عاجزة عن إنقاذ طفل لم يمت بالرصاص، ولكنه يموت ببطء عطشا أو جوعا أو نتيجة جرح لم يضمد، فهي لا تملك يدا تمسك بها بندقية لتدافع عن الأطفال أو تقدم لهم شربة ماء أو كسرة خبز، ولا تملك بئر بترول تمنعه عن الداعمين والذين يمولون العدو الصهيوني.

الموت بالأسود أصبح أشرف لها من أن يلتقط لها العدو صورة ويجعلها رمزا للسلام، فما عاد هناك سلاما ترمز له، فقد عجزت أن تمحو صورتها من على الرايات والجدران، فهي تخجل من أن تظل رمزا لوهم، ورغم أن الإنسان له عينان يبصر بهما المذابح التي ترتكبها إسرائيل كل يوم، إلا أنه أصبح عديم البصيرة، وله ذراعان يستطيع بهما حمل السلاح، إلا أنه مشلول، وأموال يمول بها جيوشا للدفاع عن فلسطين، إلا أنه يهدرها، وساقان يهرول بهما لإنقاذ الأطفال والنساء والعجائر في غزة، لكنه لم يفعلها، وله قلب يحيا به إلا أنه قلب كالحجارة.

فما بالكم بنا فنحن حمائم ضعيفة مهيضة الجناح، لا سبيل لنا إلا الموت شهداء، فلا حياة لنا في عالم يسوده الظلم، ولا سبيل لنا إلا الموت متشحين بالسواد، فأضعف الإيمان أن نحرم "الإنسان" المجرد من الإنسانية أن يستخدم صورنا في التباهي بسلام وهمي، أو يأكلنا، فمن الآن لحومنا حرام على الظالمين.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز