د. سهى علي رجب
لم يعد المصري يتابع أخبار السلاح باعتبارها أخبارا بعيدة عنه، وإنما أصبحت جزءا من اهتمامه اليومي، يناقشها في المقاهي، ويتابعها عبر وسائل الإعلام، ويفتخر بها على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى أصبح المواطن العادي يميز بين الطائرات المقاتلة والغواصات والفرقاطات وأنظمة الدفاع الجوي، ويعرف أسماءها ومهامها، وهو تحول ثقافي لم يكن مألوفاً في المجتمع المصري.
ولعل البداية الحقيقية لهذا التحول كانت مع انطلاق معرض إيديكس عام 2018، الذى فتح نافذة واسعة أمام المصريين لرؤية جيشهم كما لم يروه من قبل.
لم يكن المعرض مجرد منصة لعرض المعدات العسكرية، وإنما كان رسالة استراتيجية متعددة الأبعاد رسالة إلى الداخل تؤكد أن مصر تمتلك جيشاً حديثاً يواكب أحدث ما وصلت إليه الصناعات العسكرية العالمية، ورسالة إلى الخارج بأن الدولة المصرية استعادت قدرتها على بناء قوة عسكرية متوازنة ومتنوعة المصادر.
وللمرة الأولى وجد المواطن نفسه يتجول بين أحدث الدبابات والطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي والعربات المدرعة، ويتابع عروض الشركات العالمية الكبرى على أرض مصر، بينما يشارك الجيش المصري بمنتجات وتصنيع محلي يزداد عاماً بعد عام، ومنذ ذلك التاريخ تغيّرت اللغة أيضا.
أصبح الحديث عن التسليح حديثا عن الردع، لا عن الحرب، وعن حماية السلام، لا البحث عن الصدام. فالقوة العسكرية لم تعد تُقاس بعدد الجنود فقط، وإنما بقدرة الدولة على امتلاك التكنولوجيا، وتنويع مصادر التسليح، وإدارة منظومة قيادة وسيطرة متطورة، وهو ما عملت عليه مصر خلال السنوات الماضية.
وجاء افتتاح الأوكتاجون ليضيف بعدا جديدا لهذا التحول.. فالمبنى ليس مجرد مقر قيادة جديد، وإنما تجسيد لفلسفة عسكرية حديثة تقوم على الدمج بين التكنولوجيا والقيادة والسيطرة والاتصالات وإدارة العمليات المشتركة، بما يعكس تطوراً فى الفكر المؤسسى للقوات المسلحة.
واللافت أن المصريين لم ينظروا إلى الأوكتاجون باعتباره مبنى ضخما فحسب، وإنما باعتباره رمزا لدولة تبني مؤسساتها على أحدث النظم العالمية، وهو ما يفسر حجم التفاعل الشعبي الكبير مع افتتاحه.
لقد أصبح المواطن يشعر أن قوة جيشه جزء من قوته الشخصية، وأن امتلاك الدولة لقدرات ردع متقدمة يعني حماية حدوده واستقراره ومستقبله الاقتصادي، خاصة في منطقة تموج بالصراعات والاضطرابات.
ولهذا ربما يكون أكبر إنجاز حققته هذه المرحلة ليس فقط ما دخل الخدمة من أسلحة ومعدات، وإنما ما ترسخ فى وجدان المصريين من يقين بأن جيشهم يقف فى المكانة التى تليق بتاريخ مصر، وأن قوة هذا الجيش هي السياج الذى يحمي الوطن، ويفتح الطريق أمام التنمية والاستقرار، ويجعل السلام خياراً ممكناً، لأنه سلام يستند إلى قوة لا إلى أمنيات.