البث المباشر الراديو 9090
د. سهى علي رجب
عندما اهتزت الأرض فجر الثالث من أغسطس، لم يكن ما حدث مجرد هزة أرضية سجلتها أجهزة الرصد، ولم يكن مجرد خبر عاجل تناقلته الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، بل كان حدثًا نفسيًا واجتماعيًا أيقظ ذاكرةً قديمةً تسكن وجدان المصريين منذ أكثر من ثلاثة عقود. وما إن شعر الناس باهتزاز الجدران حتى عاد اسم واحد يتردد في البيوت والشوارع وعلى صفحات الإنترنت: "زلزال 1992".

والمفارقة أن ملايين المصريين الذين تحدثوا عن ذلك الزلزال لم يكونوا قد وُلدوا أصلًا عندما وقع في 12 أكتوبر 1992، ومع ذلك يتعاملون معه وكأنه تجربة شخصية عاشوها بأنفسهم. وهنا يطرح السؤال الأهم نفسه: لماذا لم يغادر زلزال 1992 الذاكرة المصرية حتى اليوم؟

الإجابة لا تتعلق بقوة الزلزال وحدها، وإنما بما تركه من أثر نفسي وثقافي واجتماعي. فالكوارث الكبرى لا تُقاس بعدد الثواني التي تستغرقها، بل بعدد السنوات التي تبقى فيها حاضرة داخل الذاكرة الجمعية للشعوب. والزلازل تحديدًا تختلف عن غيرها من الكوارث؛ لأنها تضرب الإنسان في أكثر ما يمنحه الشعور بالأمان: الأرض التي يقف عليها. فعندما تتحرك الأرض، يشعر الإنسان، للحظة، أن قوانين الكون نفسها قد اختلت، وأنه فقد آخر ما كان يعتقد أنه ثابت.

لقد تحول زلزال 1992 إلى جزء من الحكاية المصرية، تناقلته الأسر في جلساتها، وروى الآباء للأبناء كيف خرج الناس إلى الشوارع، وكيف قضوا ساعات طويلة في العراء، وكيف امتزجت الدعوات بالدموع والخوف والرجاء. وهكذا انتقلت الذاكرة من جيل إلى جيل، لا عبر الكتب، وإنما عبر الرواية الشفوية، وهي من أكثر وسائل حفظ التاريخ تأثيرًا في الوجدان الشعبي.

ولعبت وسائل الإعلام دورًا كبيرًا في ترسيخ هذه الصورة، فالصحف والتلفزيون، ثم لاحقًا الإنترنت، أعادت، مع كل هزة أرضية، نشر صور المباني المنهارة، وحكايات الضحايا، والقصص الإنسانية المؤلمة. ومع مرور الوقت، لم تعد الصورة مرتبطة بالحدث الأصلي، بل أصبحت جزءًا من المخزون النفسي للمجتمع.

ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتضيف بُعدًا جديدًا، فخلال دقائق معدودة من وقوع أي هزة، تنتشر مئات الرسائل، بعضها صحيح، وأكثرها مبالغ فيه أو غير دقيق، فتنتقل العدوى النفسية بسرعة تفوق انتقال المعلومات العلمية. وبين مقطع مصور قديم يُعاد نشره على أنه حديث، ورسائل مجهولة المصدر تتنبأ بزلازل أشد، يجد المواطن نفسه محاصرًا بالخوف أكثر من محاصرته بالهزة نفسها.

إن أخطر ما يواجه المجتمع بعد الكوارث ليس الحدث، وإنما إدارة ما بعد الحدث، فالطمأنينة مسؤولية وطنية، تمامًا كما أن الإنقاذ مسؤولية وطنية. ومن هنا يصبح دور المؤسسات الثقافية والإعلامية أساسيًا، ليس فقط في نقل الأخبار، وإنما في بناء الوعي.

فالإعلام مطالب بأن يكون مصدرًا للمعلومة الدقيقة، لا منصة لإعادة إنتاج الخوف. وعليه أن يمنح الكلمة للمتخصصين، وأن يشرح للناس طبيعة النشاط الزلزالي بلغة بسيطة، وأن يؤكد أن الشعور بالهزة لا يعني بالضرورة وجود كارثة، وأن يواجه الشائعات بسرعة قبل أن تتحول إلى حقائق في أذهان الناس.

أما الثقافة، فدورها أعمق وأبقى، فالمسارح، والمكتبات، وقصور الثقافة، والندوات العامة، والأفلام الوثائقية، والكتب الموجهة للأطفال، كلها أدوات قادرة على تحويل الخوف إلى معرفة، والقلق إلى وعي، والصدمة إلى خبرة إنسانية نتعلم منها. إن الثقافة ليست ترفًا في مثل هذه اللحظات، بل هي أحد خطوط الدفاع عن الاستقرار النفسي للمجتمع.

كما أن الدراما، التي نجحت كثيرًا في تشكيل الوعي المجتمعي، تستطيع أن تقدم نماذج واقعية للتعامل مع الأزمات والكوارث، بعيدًا عن الإثارة المجانية أو المبالغات التي تترك آثارًا نفسية سلبية.

الهزة التي شعر بها المصريون فجر الثالث من أغسطس ستنتهي، كما انتهت غيرها، لكن ما ينبغي أن يبقى هو الدرس.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز