د. سهى علي رجب
من أشهر هذه الحكايات ما يروى عن النجمة العالمية مارلين مونرو، عندما انتقدت إحدى الصحفيات ذوقها في اختيار ملابسها، وسخرت منها قائلة إن ارتداء "شوال من الخيش" سيكون أنسب لها.
وتقول الرواية إن مارلين لم تدخل في جدال، وإنما ارتدت بالفعل فستانا صنع من شوال بطاطس، وظهرت به أمام عدسات المصورين، وكأنها تقول إن الجمال الحقيقي لا تصنعه الأقمشة الفاخرة، بل تصنعه الشخصية والثقة بالنفس.
وحكاية أخرى تنسب إلى القائد الفرنسي نابليون بونابرت، عندما تأخر عن إحدى الولائم، فجلس في مكان بعيد عن المنصة الرئيسية.. وعندما جاءه صاحب الدعوة معتذرا، وقال له إن هذا ليس مكانه، أجابه: "حيث يجلس نابليون تكون المنصة".
قد يختلف المؤرخون حول صحة الروايتين، لكنهما تلتقيان عند معنى واحد.. قيمة الإنسان لا تستمدها الكراسي، ولا المنصات، ولا المناصب ولا الملابس، ولا المظاهر.
للأسف، نعيش في زمن أصبح فيه كثيرون يقيسون النجاح بما يرتديه الإنسان، أو السيارة التي يقودها، أو الهاتف الذي يحمله، أو المكان الذي يجلس فيه، بينما يغيب السؤال الأهم.. ماذا يملك هذا الإنسان من علم؟ وما الذي يقدمه للناس؟ وما أثره الحقيقي فيمن حوله؟
هناك من يظن أن العلامات التجارية تمنحه الهيبة، وأن الأماكن الفاخرة تضيف إلى مكانته، وأن المظاهر قادرة على إخفاء أي نقص داخلي، لكن الحقيقة أن المظاهر لا تصنع قيمة، وإنما تكشف أحيانا عن الحاجة إلى إثبات قيمة مفقودة.
أما الإنسان الواثق من نفسه، فلا يحتاج إلى كل ذلك.. وجوده وحده يمنح المكان قيمة، وكلمته تمنح الحديث وزنا، وعمله يمنحه احترام الآخرين.. إنه لا يبحث عن الأضواء، بل الأضواء هي التي تبحث عنه.
التاريخ لم يخلد أصحاب الثياب الأغلى، ولا أصحاب القصور الأكبر، وإنما خلد أصحاب الأثر، وما بقي في ذاكرة الناس هو الفكر، والإبداع، والإنجاز، وحسن الخلق، لا المظاهر التي تزول مع الزمن.
ربما نحتاج اليوم إلى مراجعة بسيطة لأنفسنا.. هل نسعى إلى النجاح الحقيقي، أم إلى مظهر النجاح؟ هل نهتم ببناء شخصياتنا، أم ببناء الصورة التي نريد أن يراها الناس؟
الفرق بين الأمرين كبير، فالصورة قد تخدع الناس لبعض الوقت، أما الحقيقة فلا تخدع أحدا طويلا.
لذلك، لا تجعل قيمتك فيما تملك، بل فيما تكون.. لا تربط احترامك لنفسك بثمن ما ترتديه أو بالمكان الذي تجلس فيه، بل بما تحمله من مبادئ، وما تحققه من إنجاز، وما تتركه من أثر.
فالإنسان الناجح لا يصبح كبيرا لأن المنصة ارتفعت به، بل ترتفع المنصة لأنها احتضنت إنسانا كبيرا.
وأجمل تعريف للنجاح هو أن تظل كما أنت، دون أقنعة، ودون استعراض، ودون حاجة دائمة إلى إثبات نفسك بالمظاهر.
أنت ناجح.. لأنك أنت.