البث المباشر الراديو 9090
د. سهى علي رجب
لم يعد الحديث عن الملكية الفكرية ترفا قانونيا أو شأنا يخص المبدعين وحدهم، بل أصبح أحد أهم مؤشرات احترام الدولة لاقتصاد المعرفة، وإيمانها بأن الإبداع مورد وطني لا يقل قيمة عن الموارد الطبيعية.

ومن بين الحقوق التي كثيرا ما يثار حولها الجدل يبرز حق الأداء العلني، الذي يراه البعض رسما جديدًا أو عبئا ماليا، بينما هو في حقيقته أحد الحقوق الأصيلة للمؤلف والمبدع، المعترف بها في التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية.

فالأغنية التي تُبث في مطعم أو فندق أو مقهى أو مركز تجاري أو مناسبة عامة لا تؤدي دورا ترفيهيا فحسب، بل تضيف قيمة اقتصادية للمكان الذي يستخدمها.. والموسيقى التي تجذب الزبائن أو تهيئ بيئة العمل أو تضفي طابعا مميزا على المنشأة هي نتاج جهد فكري وفني يستحق صاحبه مقابلا عادلا، تماما كما يحصل أي صاحب مهنة أو منتج على مقابل لاستغلال إنتاجه.

وهنا تتجلى فلسفة حق الأداء العلني، فهو لا يفرض رسوما على استماع الأفراد للموسيقى في حياتهم الخاصة، وإنما ينظم الاستغلال التجاري للمصنفات الفنية والأدبية عندما تصبح وسيلة لتحقيق منفعة أو ربح. فالفرق كبير بين الاستخدام الشخصي والاستخدام التجاري، وهو فرق استقرت عليه جميع النظم القانونية الحديثة.

إن الاعتراف بحق الأداء العلني هو في جوهره اعتراف بأن الإبداع ملكية لها قيمة اقتصادية.. وإذا كنا نحمي ملكية الأراضي والعقارات والسلع، فمن باب أولى أن نحمي الملكية الفكرية التي تُعد اليوم أحد أهم مصادر الدخل القومي في الاقتصادات المتقدمة.

ولعل التجربة الدولية تؤكد ذلك بوضوح، فمعظم دول العالم تمتلك هيئات متخصصة في تحصيل حقوق الأداء العلني وتوزيعها على المؤلفين والملحنين والموسيقيين وفناني الأداء وفق قواعد دقيقة وشفافة، بما يضمن استمرار العملية الإبداعية، ويشجع الأجيال الجديدة على الابتكار والإنتاج.

وفي مصر، يمثل تنظيم هذا الحق خطوة مهمة نحو استكمال منظومة حماية الملكية الفكرية، التي حظيت باهتمام متزايد خلال السنوات الأخيرة، إدراكا لأهمية الصناعات الثقافية والإبداعية في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز القوة الناعمة المصرية.

ولا ينبغي النظر إلى حق الأداء العلني باعتباره مجرد وسيلة لتحصيل الرسوم، بل باعتباره رسالة حضارية تؤكد احترام المجتمع للعقل المبدع.

فالفنان الذي يكتب أو يلحن أو يغني أو يعزف لا يقدم منتجا مجانيا، وإنما ينتج قيمة ثقافية واقتصادية تستحق الحماية القانونية.

ومن المهم أن يصاحب تطبيق هذا الحق حوار مجتمعي واسع، يشرح فلسفته وأهدافه، ويبدد المخاوف التي قد تنشأ نتيجة سوء الفهم أو نقص المعلومات.

كما أن نجاح المنظومة يرتبط بالشفافية الكاملة في إدارة الحقوق، وضمان وصول العوائد إلى أصحابها الشرعيين، مع مراعاة طبيعة الأنشطة الاقتصادية المختلفة وعدم تحميلها أعباء غير متناسبة.

إن حماية حقوق المبدعين ليست انحيازا لفئة بعينها، وإنما استثمار في مستقبل الثقافة المصرية.

فالمبدع الذي يشعر بأن القانون يصون حقه سيكون أكثر قدرة على الإنتاج والعطاء، والمجتمع الذي يحترم الملكية الفكرية يرسل رسالة واضحة بأنه يؤمن بالعلم والثقافة والابتكار.

حق الأداء العلني ليس ضريبة على الفن، بل هو ثمن عادل لاستخدامه تجاريًا، وليس قيدا على المجتمع، بل ضمانة لاستمرار الإبداع.

وكلما ترسخت ثقافة احترام الملكية الفكرية، اقتربنا من بناء اقتصاد حديث يقوم على المعرفة، ودولة تدرك أن حماية الفكرة لا تقل أهمية عن حماية أي أصل مادي، وأن الأمم التي تصون حقوق مبدعيها هي الأقدر على صناعة مستقبلها الثقافي والاقتصادي.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز