البث المباشر الراديو 9090
أحمد سليم
لا توجد مدينة أو قرية مصرية إلا وبها مستشفى أو مسجد أو مدرسة أو حتى كتاب بناه أحد أبنائها أو إحدى عائلاتها أو تشارك الجميع فى بنائه وعلى الطرق وفى الشوارع وعلى شواطئ الترع نجد مصلى أو سبيل مياه تركها أصحابها للخير.

شعبنا المصرى بطبعه يميل إلى التبرع تقربا لله أو تأسيًا بأهله أو رغبة فى أن يظل اسمه أو اسم عائلته يتردد.

ثقافة التبرع إذن ليست حديثة لدى المصريين ولم تكن أبدًا قاصرة على شهر رمضان، ولكنها كانت تمتد طوال العام وما كان يحدث فى رمضان هو إخراج للزكاة فقط والتى كانت غالبًا ما توجه إلى الاقارب والفقراء أو المحتاجين من الجيران، وكانت تتم فى خفية وسرا حتى لا تؤذى مشاعر المحتاج.. لم تكن هناك موائد الرحمن افتخارًا، ولكن كانت الموائد تمتد من البيوت إلى البيوت سرًا كنا ونحن صغار نحمل ما يأمرنا به أهلنا إلى بيوت فى القرية ليلا وسرا وكنا أحيانا لا نعرف من هم أبناء صاحب الدار ومن كان منا يعرفهم كان يتجنب رؤيتهم خشية الإحراج.

تربى المصريون على الصدقة فى السر وعلى التعاون والبر لم تكن هناك تلك الحملات التى بدأت مع أول ليلة من رمضان لتحول مصر كأنها دولة تتسول وكان كل المشروعات التى نراها تحتاج إلى كل هذه الصور الحزينة التى تمتئ بمشاهد لأبناء من الشعب يكاد يقتلهم السرطان أو تخنقهم أمراض القلب.. وإذا كانت هناك ضرورة لكل هذه الحملات الإعلانية ألم يفكر مقدميها ومخرجيها فى صورة أفضل بدلًا من صور المرضى وأسرهم فقط، يكفى الإعلان عن رقم حساب التبرع أو مكانه.. أعجبنى إعلان عن مستشفى القلب الجديد بأسوان ويؤديه أطفال أصحاء يرتدون ثيابًا جميلة يغنون ويحكون وفى المقابل هناك عشرات الإعلانات التى تمتلئ بصور لأطفال تتدلى من صدورهم أجهزة التنفس أو يسيرون وهم يحملون أكياس الدم.

هذه المشاهد التى يتخيل القائمون على الحملات أنها تزيد حملاتهم نجاحًا ربما تزيد عدد المتبرعين أو قيمة التبرع ولكنها تسحب كثيرًا من رصيد مصر وشعبها الذى يحرص على الخير ويعرف الطريق إليه.

ما يحدث فى رمضان على الشاشة من هجوم حملات التبرع لمؤسسات أهلية وجمعيات خيرية يجب أن يتحول إلى أسلوب أفضل.. فى الخارج يذكرون رقم التبرع والهدف منه فقط ويظل ذلك طوال العام.. فى الخارج توجد صناديق زجاجية فى المحلات الكبرى ومحطات المترو والقطار مكتوب عليها الهدف من التبرع.. يمكن أيضًا أن نحصل على التبرع فى أماكن الخدمات وعبر كوبونات بشكل طوعى توجد مع كل أوراق تخص المواطن وليست تبرعات أو رسوم إجبارية.. ثم توجه كل هذه التبرعات إلى كيانات ومؤسسات كبرى لديها خطط واضحة للصرف وبشفافية.

إن غياب دور الدولة وعدم ثقة الشعب فى أدوات الحكومة هو ما جعله يتجه إلى مؤسسات تطوعية رغبة منه فى أن يصل تبرعه إلى مستحقيه، وعلى الحكومة أن تعيد ثقة الشعب بها فى هذا المجال وأن تظهر مشروعات حكومية وجهات تتبنى حملات التبرع وتوجه العائد منها إلى مكانها الصحيح.

مصر ليست بالشكل الذى تظهره لنا شاشة التليفزيون فى رمضان.. مصر رغم كل ما بها من مشاكل إلا أنها أقوى وأفضل، لسنا شعبًا من المتسولين كما يظهر أخوة لنا فى الصعيد فى الإعلانات، ولسنا شعبًا جاحدًا لا يقف مع أبنائه المرضى.. قدموا التجارب الناجحة بشكل أفضل واطلبوا التبرع بشكل أجمل.

والشعب الذى بنى مئات المشروعات الخيرية لا يحتاج لكل ذلك ليتبرع، وجهوا قيمة الحملات الإعلانية إلى المشروعات التى تقومون بها، وسيصل إليكم المتبرعون طوال العام وليس فقط فى رمضان.

شعبنا يعرف طريق الخير ويصل إليه دون دعوة من أحد، ولا حملات على شاشات التليفزيون.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز