البث المباشر الراديو 9090
أحمد سليم
أكثر من مليونى مسلم الآن على جبل الرحمة فى أهم مناسك الحج، هؤلاء يرفعون أكف الضراعة والدعاء لله سبحانه وتعالى، خلعوا ملابسهم الدنيوية، وتساوى الجميع فى ملابس الإحرام، لن تجد الملابس ذات الماركات العالمية، ولا الجواهر أو الساعات الثمينة.

انظر إليهم، إنهم الآن جميعا أمام الله سواسية، مشهد هو الأقرب ليوم الحساب، كلهم أمام الله فقط يدعون ويأملون فى الاستجابة، وفى كل بقاع المعمورة ملايين وملايين يبكون شوقا لهذه اللحظة، على جبل الرحمة يدعو المسلم تضرعا طلب للشفاعة ويزيد الملايين الذين لم تصلهم فرصة الحج دعوة أن لا يحرمهم الله من الوقوف بعرفات فى عامهم القادم.

وفى ألبوم الصور والذكريات، لا تزال هناك عشرات الصور لمرات وقفت فيها على جبل الرحمة، أطالع بعضها وأتذكر، دموع الشوق تسبق مشاهدة الصور، هنا كنا مجموعة من الأصدقاء رحل منهم الصديق العزيز حسام عوض والزميلة نادية مصطفى والصديق السعودى أبو يزيد الثقفى، وما زال معنا فى رحلة الحياة آخرون.

كانت أول رحلة حج لى، وكنت برفقة صديق كان أستاذا فى كلية الطب، وكان له خبرات سابقة فى الحج بحكم عمله فى المملكة، كنا فى نهاية مرحلة الشباب ولدينا القدرة على الصعود إلى قرب قمة الجبل، أذكر عصر ذلك اليوم المبارك حين جلست وحيدا يمر أمامى شريط الحياة بأخطائه وحسناته، شريط حياة يمر سريعا يختصر نحو الأربعين عاما من العمر فى لحظات، كانت نصيحة شيخنا لا تيأس ولا تمل من الدعاء ومهما كانت الأخطاء والذنوب فأنت أمام الغفار الرحيم، كان معى كتيبا يمتلئ بالدعوات وأعددت نفسى كى أقرأها، وما إن وصلت إلى مكان جلست فيه وجدتنى أنحيه جانبا، أنت الآن أمام رب العزة فى لحظات قد لا تعود مرة أخرى، قل له ما تشاء، اشكُ له واحكِ وابكِ، هو المطلع على أسرارك وسريرتك فلا تستخدم كلمات محفوظة، تحدث إليه، لقد جئت إلى هنا حاملا كل سنوات عمرك فوق ظهرك لكى تدعو الله أن يغفر لك.

نظرت حولى، الكل منهمك فى الدعاء، منشغل بالمناجاة عما حوله وعمن حوله، الكل فى حاله، الكل فقط يتحدث مع ربه، ساعات قليلة ربما تنقلك من حال إلى حال، ومن حياة إلى حياة، ساعات قليلة قد تنجو فيها من مهالك ويفتح لك الله مسالك ومسالك.

أقلب فى ألبوم الصور وأتذكر، ها قد من الله علىَّ بفرصة ثانية، أن أعود لأستغفر وأناجى، أن أعود فى فرصة ثانية، الحنين لهذه اللحظات كان يتزايد، والشعور بأن الله راضٍ عنك ويمنحك فرصة ثانية لكى تنال العفو عما اقترفته يداك، فرصة ثانية للنجاة من عذاب جهنم، والانضمام إلى السائرين فى طريق الجنة.

كانت ذكرياتى الثانية فى رحلة حج مع زملاء وزارة الإعلام، وخلال الرحلة القصيرة بأيامها والطويلة جدا بأحداثها، كان اللواء سعد عباس، مشرف الرحلة، والصديق الأعز، لا يترك الوفد لحظة إلا وحاول تخطى أى صعاب حتى يتركنا نتفرغ للعبادة فقط ولإتمام المناسك، كان الشباب قد رحل بقوته ولم أستطع الصعود عاليا إلى قمة الجبل وجلست قريبا من بدايته، أتذكر كيف مرت السنوات السابقة ما بين الرحلتين، وأدعو الله ألا تكون تلك رحلتى الأخيرة إلى عرفات، ووسط عشرات الدعوات والأمنيات استجاب الله وجاءت الرحلة الثالثة إلى نفس المكان، وعلى قدر العمر كانت الحركة الأبطأ، ولكن كانت الصحبة الأجمل.

جلسنا فى مسجد مبنى وزارة الإعلام السعودية بعرفات ندعو الله، الصحبة الأجمل فى خلال تلك الرحلات كانت حريصة أن تساعد على قضاء الفريضة على الوجه الأكمل، وعلى مر كل الزيارات إلى عرفات يزداد الشوق ويزايد، ترحل من هناك وشوق يكابدك للعودة إلى جبل الرحمة والوقوف بين يدى الله بعرفات، الملايين هنا وهناك تدعو فى اليوم الأهم على مدار العام، اليوم الذى يغفر الله لعباده فيه ويدعوهم للعودة إلى الطريق الصحيح، اليوم الذى قيل عنه إنه خير يوم أشرقت فيه الشمس، اليوم الذى يعد فيه المسلمون العدة للقاء مع الله بالصلاة والدعوات والتسبيح والمناجاة، إنه اليوم الأعظم، فلندعُ فيه أن يجمعنا على جبل الرحمة فى عام قادم، وأن ييسر لنا زيارة بيت الله والصلاة فى روضة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه يوم عيد للمسلمين فى كل مكان فلعلهم يحولونه إلى عيد فى قلوبهم وبيوتهم.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز