البث المباشر الراديو 9090
أحمد سليم
جاء فيديو أطفال بورسعيد ليكشف جوانب كثيرة من مأساة يتعرض لها أطفال مصر، وجاء أيضا ليكون كاشفا وهو بحق بلاغ متكامل ضد العديد من المسؤولين، وأيضا هو بلاغ يجب أن ينتبه إليه الكثيرون.

البداية صبيان مهربين تم ضبطهم فى بورسعيد، أثناء خروجهم من أحد المدقات أو بعيدا عن البوابات لحمل بعض الأقمشة مقابل 150 جنيها يوميا يتقاضاها الطفل، لن نتحدث عن الطريقة الغريبة التى تم تصوير الفيديو بها، ومن سمح بالتصوير وبالنشر على صفحة المحافظة، التى اكتفى محافظها بترديد أن ما يحدث من استخدام الأطفال فى التهريب هو انتهاك لحقوق الطفل، ياسيدى هو انتهاك لحقوق المجتمع أن يدفع أطفالا فى مثل هذا السن للعمل بطريقة غير قانونية للحصول على قوت يومهم وأن يوفر كل منهم مبلغا من أجل إخوته وأمه.

الفيديو لم يكشف فقط عن طريقة سيئة فى الحوار وتقمص المذيعة دور المرشدة والمحققة والموجهة التربوية، ولم يكشف عن الإهمال من الجهة التى سمحت لها بتصوير أحداث متهمين فى قضية تهريب، وبث الفيديو ليراه ملايين المتابعين فى نفس الوقت الذى لا يتابع فيه أحد قضية الرشوة الكبرى فى الجمارك وسقوط ضباط متهمين فيها.. إذا كان العرف أن نضع ما يمنع من ظهور وجه المتهم أو اسمه فتأتى السيدة المذيعة لتجبرهم على إذاعة أسمائهم وعناوينهم وبث صورهم، فهذا الخطأ يتحمله من سمح لها بالتصوير أو البث، ولا بد من معاقبته لنرسى مبدأ الحرص على أكواد العمل الإعلامى والأهم هو الحرص على أحداث فى بداية أعمارهم، دفعهم العوز والفقر والجهل أيضا لارتكاب جريمة تهريب، نعم جريمة ولكنها لاترقى للإتجار بالمخدرات أو الدعارة أو السرقة أو القتل أو الاغتصاب.

الفيديو يكشف لنا أن الإهمال ما زال يتعمد الصعيد، فالأطفال كلهم من الفيوم وسوهاج، سافروا إلى الإسكندرية للعمل وفشلوا، جاءوا إلى بورسعيد ولم يكن أمامهم سوى هذه المهنة التى يسيطر عليها أباطرة ومسؤولون قد تكشف عنهم التحقيقات فى قضية رئيس مصلحة الجمارك.. وإذا كانت صقور الرقابة قد اصطادتها، فالواجب على أجهزة أخرى أن تؤدى دورها وتتابع ما يحدث من عمليات للتهريب كشف عنهم ببساطة محفوظ، طفل سوهاج الذى قال ما لم يستطع الكثيرون قوله.. هذا الطفل الذى تتهمه السيدة المذيعة بأنه ناقم دون أن تناقشه فيما دفعه للعمل فى التهريب، فكانت إجابته الصادمة أعمل لأتقاضى مائة وخمسين جنيها فى اليوم، يعيش منهم ويقيم ويسافر إلى بلده أحيانا ويحمل لإخوته الثلاث وأمه شيئا معه.. عندما قال لها أنت مش حاسة بالناس لم يكن هذا السؤال موجه لها فقط، يجب علينا جميعا أن نعتبره سؤالا موجها للكل للحكومة التى تبذل جهدا لتنمية الصعيد لكنها لا تضع خريطة لاحتواء هؤلاء الشباب فى العمل.. وزارة التضامن التى كان من الضرورى أن يذهب باحثوها فورا للقاء هؤلاء يعرفون ما هى مشكلتهم الحقيقية ويحاولون توفير فرص عمل لهم.. الآن هم مهربون غدا قاتلون أو مغتصبون أو قادة لعصابات.. كان يجب على وزارة التضامن أن يصل باحثوها إلى أسر هؤلاء فهم الأولى بتكافل وكرامة، وكنت أتمنى أن يصل إليهم فور مشاهدة الفيديو ممثلون للجمعيات الأهلية التى صدعت رؤوسنا طوال رمضان بطلب التبرعات من أجل بناء سقف وتوصيل مياه ووجبة إفطار.. كنت أتمنى أن يصل إليهم ضباط من العلاقات العامة بالداخلية والتفتيش ليروا على أرض الواقع كيف أهين هؤلاء الأطفال بالتصوير أولا، وبظروف الإقامة ثانيا، وأن يبحثوا لهم عن فرصة عمل.. كنت أتوقع أن يسارع محامون من الناشطين إياهم لا للظهور على الشاشات، ولكن للدفاع عن هؤلاء فى سابقتهم الأولى.. كنت أتمنى ألا يصدر المحافظ سواء فى بورسعيد أو الصامتون فى الفيوم وسوهاج تصريحات، ولكن أن يصل مندوبوهم إلى هؤلاء ليعطيهم أملا فى الحياة وفرصة عمل نظيفة.. هؤلاء الأحداث سيدخلون السجن بتهمة التهريب وسيخرجون لنا ناقمين فعلا على المجتمع كله لأنه تركهم.

تصرف المسئولون تجاه ما حدث يكشف الفارق بين رئيس يعيد بناء الإنسان والدولة ويواجه المشكلات ويحاول الوصول إلى حلول بسرعة كبيرة، وبين مسؤولين ما زالوا ينتظرون توجيهات السيد المحافظ أو السيد الوزير.

الفيديو كما هو كاشف، هو صادم، ففى نفس الوقت الذى ينفق فيه رجال الأعمال الآلاف على العشاء فى مطعم طائر أو فى غواصة تحت الماء، يبحث أطفال تحولوا إلى رجال عن لقمة عيش وهدمة لأخواتهم وأمهاتهم، يتعرضون للسجن ولا يحرك ذلك ساكنا لدى الآخرين.. إذا كان الفيديو صادما فإنه كاشف لأمور كثيرة من المؤكد أن الرئيس لن يسمح بتجاوزها، ومن المؤكد أن جهات مهمة ستبحث الموضوع، ولكن ما زالت الأزمة أننا ننتظر حتى وقوع الحادث ثم نبدأ رد الفعل.. فلنبدأ الآن مرة أخرى فتح ملف أطفال الشوارع، وأطفال العمالة، وأطفال التهريب.. يا سادة إنهم أطفال مصر.. أصحاب مستقبلها، هم ركن البداية فى بناء الدولة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز