أحمد سليم
حين وصلت إلى مكة المكرمة فى رحلتى الأولى للحج، كانت هناك مشاعر مختلفة تجتاحنى فبعد قليل سأكون فى بيت الله المحرم.. كيف يكون؟ بماذا يشعر الحجاج؟ هل أستطيع لمس الحجر الأسود والركن اليمانى؟ هل تتحقق لى تلك الفرحة التى أراها فى عيون العائدين من الحج؟ مشاعر عديدة ما بين الفرح والخوف والأمل فى الرحمة والمغفرة ظلت تتحكم فى.
واقتربت من باب الملك عبد العزيز مذكرًا نفسى بأول دعاء سأقوله وأتذكر لمن سأدعو، وأشحذ ذاكرتى حتى أستطيع حفظ عدد مرات الطواف والسعى وجاءت اللحظة الحاسمة، التقت عيناى بالكعبة المشرفة وتحولت إلى ما يشبه إنسانًا مسحورًا يتحرك بشكل آلى يتمتم بأدعية مختلفة وعيون تكاد تلتصق بالكعبة.. أن تفقد إحساسك بالزمن وبكل من حولك وما حولك أن تتحول إلى نقطة بسيطة تذوب فى بحر من البشر يكاد جميعهم أن يكونوا مثلك لا يرغبون فى شىء من الحياة إلا مغفرة تتحقق أو دعاء يستجاب له.
كانت زيارتى الأولى للكعبة تمتلئ بكل مشاعر الإثارة أدور كترس فى آلة حول الكعبة أترك نفسى وسط مجموعة من البشر حتى أعرف عدد الأشواط، ولكن مازال الإحساس بالأسر يتملكنى.. هنا تحولت إلى أسير فى حب كعبة الله المشرفة.
كان هذا لقائى الأول ولم يختلف عنه لقائى الثانى بعد عدة سنوات ولكن اللقاء هذا العام كان مختلفا.. كنت أظن أن الإحساس هو هو .. ولكن يبدو أنه كلما زرت مكانًا حبيبًا زاد إحساسك وتعلقك به.. فى هذا العام ومع أصدقاء أعزاء دخلنا الكعبة سويا وبدأنا الطواف.. سرت كالحالم.. أتذكر ملمحا من المرة الأولى وآخر من المرة الثانية وأفيق على تلبية الحجاج لأحس أنى فعلًا بالكعبة المشرفة، وأنى يقظ أطوف ولست حالما.. كنت أبعد عن الكعبة ثم أجد نفسى فجأة وسط زحام شديد أستند إلى حائطها وألمس ركنها اليمانى وأحيى حجرها الأسعد.
الرحلة كانت مختلفة أيضا إلى المدينة، حيث يحلم كل مسلم فى العالم وعبر التاريخ أن يأتى هنا فقط للسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ما أجمل تلك اللحظات عندما اقتربنا والوزير أسامة هيكل والمستشار محمد لطفى والأصدقاء عبد الفتاح الجبالى ومحمد العمرى وحاتم زكريا من المسجد النبوى.. صلينا ولكن كان الحلم أن نصل إلى الروضة الشريفة.. وفى رحلاتى السابقة لم يكن الوصول إلى الروضة الشريفة سهلا وربما تحقق لمرتين أو أربع مرات، أما فى هذه الرحلة وربما يكافئنا الله على صبرنا وشوقنا إلى المصطفى فتتغير الأحوال وتفتح الأبواب ونقف هنا فى الروضة الشريفة.
هنا أنت فى روضة من رياض الجنة.. نعم أنت هنا بالجنة.. أى إحساس رائع ذلك.. أى رائحة طيبة تحيط بك من كل مكان.. أنت هنا فى الجنة فى روضة من رياضها هكذا قال لنا الصادق الأمين.. يكاد القلب يتوقف وأنت تسلّم على خير البرية.. أنت أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فماذا تطلب؟ اهدأ أنت فى حضرة الرسول.. تحدث بهدوء أنت فى حضرة الرسول.. قل ما شئت للشفيع.. استمتع ما شئت أنت بجوار الرسول فى روضة من رياض الجنة.. لتذهب كل أحلام الدنيا إلى اللا عودة ولتصمت كل الأفكار.. وتتوقف كل الأمانى فماذا تريد وأنت فى حضرة الرسول؟
وأفاض الله بكرمه ودعانا رسوله عدة مرات للصلاة فى الروضة الشريفة وللسلام عليه، ثلاث أيام نصلى بجواره نتابع بعيوننا من مكان الإقامة مسجده.. تحس ليلا كأن المساء تحمل نورًا مختلفًا عن كل سماء.. عدة مرات استقبلنا رسول الله فى حرمه النبوى وجلسنا بجواره وصلينا ودعونا.. هنا لا أمل ولا حلم ولا ألم ولا رغبة ولا أمنية أن تظل معنا إلى جواره.. تسبح فى نور يحيط بالمكان تتنفس من مكان تطوف حوله روح الرسول.. اصمت فلتتوقف الحياة فأنت فى حضرة الرسول.
نعم إنها أغلى اللحظات.. نعم إنه هو المكان الذى تشتاقه الأنفس.. ونعود لنعيش مع الحلم مرة أخرى أن يدعونا الله لزيارة بيته وأن يدعونا الرسول إلى جواره.