أسامة سلامة
ما حدث فى المهرجان كاشف لهذه الأزمة التى تتكرر كثيرا فى جهات مختلفة، والحكاية أن إدارة مهرجان القاهرة برئاسة محمد حفظى قررت دعوة الفنان الفرنسى المعروف كلود ليلوش وتكريمه، ولكن هذا الاختيار أغضب عدد غير قليل من الفنانين والمثقفين المصريين المتابعين للساحة الفنية العالمية، بدعوى أنه مناصر للصهيونية، وأنه زار إسرائيل عدة مرات وكال لها المديح واعتبرها وطنه الثانى، وانقسم الوسط الفنى والثقافى.
ورأى المؤيدون لدعوة المخرج الفرنسى أن قرار إلغاء تكريمه بعد الإعلان عنه خطأ، وأن الفيصل فى الحكم على المخرج هى الأفلام التى قدمها.
واستشهد البعض بالدكتور أحمد زويل الذى تم الاحتفاء به فى مصر بعد فوزه بجائزة نوبل فى الفيزياء رغم أنه زار إسرائيل وألقى محاضرات فى جامعتها، وقالوا إن قرار مقاطعة إسرائيل ثقافيًا ومن خلال المهرجان خاص بعدم عرض الأفلام الإسرائيلية أو دعوة فنان إسرائيلى، أما من ذهب من الفنانين العالميين إلى إسرائيل فلا يجب مقاطعتهم وعلينا أن نحاول استقطابهم إلى جانبنا.
وفى المقابل كانت مبررات الرافضين لدعوة ليلوش تستند إلى أن المهرجان كان دائمًا من المناصرين للقضية الفلسطينية ومن المناهضين للتطبيع مع إسرائيل، وأنه لا يجوز دعوة من احتفى بالجيش الإسرائيلى وارتدى زيه العسكرى، ونشروا صوره له وهو مع جنود إسرائيليين، وقالوا إن دعوته وتكريمه كسر لحظر التطبيع وخطوة قد تتلوها خطوات أخطر، وأيا ما كان الموقف من القضية، فإن ما حدث يكشف طريقة الإدارة فى العمل وعشوائيتها.
ولو كان هناك منهج واضح وقواعد محددة لاختيار ضيوف المهرجان لما حدثت هذه الضجة التى قد تؤثر على المهرجان وسمعته عالميًا، كان لابد أن تتم دراسة الشخصيات التى سيتم دعوتها وتكريمها ومعرفة كافة جوانبها ومواقفها، وهل تتفق مع ثوابتنا أم لا قبل الإعلان عنه، هذه العشوائية فى اتخاذ القرارات لا تتعلق بمهرجان القاهرة السينمائى والقائمين عليه بمفردهم، فهناك حالات مماثلة فى كثير من مؤسساتنا التى تتخذ قرارًا ثم تضطر إلى إلغائه أو تأجيله، وهو ما حدث مع وزير الزراعة منذ أيام عندما أصدر قرارًا بمنع تداول الدواجن الحية فى محافظتى القاهرة والجيزة ثم تراجع عنه، ووزيرة الصحة التى قررت تعميم تحية العلم فى المستشفيات صباحًا واكتشفت بعدها عبثية القرار فلم تهتم بتطبيقه، وهناك أمثلة عديدة فى وزارات ومؤسسات أخرى، وكلها تصب فى ذات الاتجاه ، ليتنا نتعلم مما حدث فى مهرجان السينما، وتدرس كل وزارة ومؤسسة قراراتها دراسة موسعة قبل إصدارها حتى لا تتراجع عنها مرة أخرى ونظل ندور فى فلك العشوائية المقيتة.