البث المباشر الراديو 9090
أسامة سلامة
"المتهمة وإن ارتكبت جرائم - أقرت ببعضها- تستحق العقاب، إلا أنها على حداثة عمرها، وعدم بلوغ رشدها قد دفعتها ظروف اجتماعية قاسية تعرضت لها من فقد المأوى والأهل، والسعى لتوفير سبل المعيشة، إلى الوقوع فى فخاخ ارتكاب تلك الجرائم، وإلى حياة بالغة الخطورة جمعتها بباقى المتهمين الذين جنوا عليها، فمنهم من واقعها كرها عنها ومنهم من هتك عرضها بالقوة والتهديد، وسرقها بالإكراه، وضربها وأحدث إصابتها".

ما سبق فقرة من بيان النيابة العامة الذى أصدرته بمناسبة التحقيقات التى أجرتها فى واقعة الفتاة منة عبد العزيز، والتى اشتهرت منذ أيام بسبب تداول فيديو على مواقع التواصل الاجتماعى اتهمت خلاله شابًا بضربها واغتصابها، بمساعدة عدد من الشباب والفتيات وتصويرها عارية.

ورد الشاب بأنه صديقها، ثم عادت الفتاة ونشرت فيديو آخر تعلن فيه تصالحها مع الشاب، وقامت الشرطة بالقبض على أبطال الواقعة، وأحالتهم للنيابة التى حققت وحبستهم أربعة أيام على ذمة التحقيق، وأصدرت البيان الذى أخذنا منه الفقرة المشار إليها.

والحقيقة أن كلام النيابة يكاد يبرئ الفتاة ويجعل منها ضحية لا مذنبة، وحتى لو كانت ارتكبت أفعالا مخالفة للقانون، فقد كانت مجبرة تحت وطأة ظروف دفعتها الى هذا الطريق.

إنفوجراف : روشتة هانى الناظر .. 10 خطوات تحميك من كورونا

ولست هنا بصدد مناقشة قانونية حول مدى المسئولية عن الأفعال، فالمحكمة أقدر منى على ذلك، ولكن ما أحب أن ألفت النظر إليه هو ماذا يجب أن نفعل مع فتاة صغيرة وقعت تحت كل هذه الضغوط وتعرضت للاغتصاب؟.. مما لاشك فيه أنها تحتاج إلى علاج نفسى، ورعاية اجتماعية أكثر من العقاب، فإيداعها السجن أو إحدى دور الرعاية بحكم سنها الصغير لن يكون علاجًا لحالتها، وربما خرجت بعد قضاء مدة  العقوبة أكثر إجرامًا.

أنا لا أعرف تفاصيل كثيرة عن الواقعة بعد أن تحفظت النيابة عن ذكر التفاصيل حفاظًا على الفتاة الصغيرة وسمعتها، وهو اتجاه محمود نشكرها عليه، ولكن علينا أن نفكر فى إنقاذ هذه الفتاة من مصير مظلم، وربما على وزيرة الشئون الاجتماعية التدخل، وأعتقد أن دور منظمات المجتمع المدنى يظهر فى مثل هذه الحالات، كما أن على الأطباء النفسيين المهتمين بالعمل العام وخبراء الاجتماع السعى لعلاج هذه الفتاة، ودراسة الحالات المماثلة لها.

إننا نحتاج إلى الالتفات إلى ظواهر جديدة على وسائل التواصل الاجتماعى،  وهو ما أشارت إليه النيابة فى بيانها، حيث أكدت أن التحقيقات فى تلك الواقعة وغيرها من الوقائع التى باشرتها خلال الفترة الأخيرة، قد تبين منها أن ناقوس مخاطر محدقة بشباب هذه الأمة قد دقَّ لإنذار المجتمع كله، تلك المخاطر التى تسللت إليهم عبر منافذ إلكترونية، وحدود سيبرانية لا تحظى بأى نوع من الرقابة، تحت شعارات مزيفة نادت - كذبًا وزورًا- بحرية التعبير والإبداع، فخلقت فتنة صورت الباطل حقًّا فى أعينهم، وطمعتهم فى شهرة زائفة ونجاح لا فلاح فيه، ودفعتهم -أطفالًا وشبابًا- إلى الانخراط فى حياة غارقة فى الإباحية الجنسية، وتعاطى المخدرات والإدمان عليها، والسعى غير المشروع لكسب المال، بل وسرقته واختلاسه.

هذه الظواهر تحتاج أيضًا إلى دراسة عميقة، حتى نستفيد من التطور فى وسائل التواصل الاجتماعى، بدلًا من تركها دون ضوابط فتتحول من نعمة إلى نقمة على المجتمع.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز