إيرينى ثابت
تابعت كما تابع الجميع تلك التعليقات العصبية المتوترة التى تلفظت بها النائبة الكويتية ضد المصريين وضد السيدة الفاضلة وزيرة الهجرة المصرية السفيرة نبيلة مكرم.. ولا أخفى أن بعضًا من الردود التى دافع بها المصريون عن أنفسهم وعن الوزيرة قد أعجبتنى.. إذ تناول البعض الأمر بموضوعية، وسخرية عاقلة مهذبة، دون "ردح"، وبمنتهى القوة.. واتبعوا نصيحة النائبة وفتحوا الدفاتر القديمة وردوا عليها منها.
ولكن، ما فاق التعبير بكلمات الإعجاب، والتحية، بل والفخر، هو تعقيب الوزيرة على الموقف.. إذ طالبت المصريين بتجاهل الإساءة حتى تموت، وبالحفاظ على مستوى التهذيب والأدب الذى يجب أن نتحلى به، وباعتبار ما حدث وكأنه لم يكن، واستخدمت لفظ "هوا" أى هواء للتعبير عن التجاهل التام للأمر!
لم أقرأ تعليقًا واحدًا يرفض موقف الوزيرة، أو يعتبرها، مثلاً، غير قادرة على الرد.. بل على العكس، كانت التعليقات على موقفها إيجابية بشكل كبير جدًا.. حتى هؤلاء الذين لم يمتثلوا لنصيحتها، وردوا وتجاوزوا فى الرد على النائبة الكويتية، رأوا أن الوزيرة على صواب، وأن موقفها هو موقف أصحاب المسؤولية، وأرباب التهذيب الراقى، وأبناء الحضارة والعلم.
وأرى شخصيًا أن أكبر ما يميز موقف الوزيرة المحترمة هو، بالإضافة لكل ما سبق، الذكاء الشديد.. تتمتع الشخصيات الذكية بما يسمى "High self-control" أى القدر العالى من ضبط النفس.. فهم لا ينجرفون للتعليقات العاطفية الغاضبة مهما بلغ استفزاز الطرف الآخر لهم.. ذلك التحكم فى العواطف والانفعالات السريعة يتيح لصاحب الفكر والذكاء أن يُعمل عقله فى اتخاذ الموقف الصائب وفى اختيار الكلمات الصحيحة، وهذه هى الخطوة الأولى.
ثم تأتى الخطوة الثانية والتى تعبر أيضًا عن الذكاء المتوقد للوزيرة نبيلة مكرم.. اختيار الموقف واستخدام الكلمات للتعبير عنه.. اختارت موقف التجاهل، وهو الأصوب والأحكم والأذكى على الإطلاق.. التجاهل فن، ومن يتقنه فنان، والوزيرة فنانة تتقن فن التجاهل، وقد عبرت عنه بكلمات تتيح لمن يسمعها ويقرؤها أن يتأكد من امتلاك الوزيرة لنواصى فن التجاهل ومعرفتها الوثيقة بكيفية استخدامه.
كشفت كلماتها: "موت الكلام"، و"كأنها هوا"، و"التجاهل التام" عن خبرة الوزيرة فى استخدام مهارتها فى التعامل مع الموقف على المستويين العام والشخصى.. فقد شرحت فيما لم يتخط دقيقة ونصف أن المسؤولية السياسية تحتم تجاهل الإساءة مما يجعلها تموت وكأنها لم تكن، وشرحت بكلمات قليلة أن "جرجرة" المصريين للرد مفهومة ومكشوفة، كما أوضحت موقف الحكومة المصرية والوزارة من القضية والتعامل معها بشكل فردى، وفى إطار القانون.. فاستطاعت بذكاء أن تخرس ألسنة الوقيعة.
أما على المستوى الشخصى، وهو ما ينبغى على كل منا أن يتعلمه فى حياته الشخصية، فقد ضربت الوزيرة مثالاً رفيعًا فى القوة الناعمة التى تتحلى بها الشخصيات الأذكى والأقوى.. إذ أن كل ما يسعى إليه الطرف الآخر هو الاستفزاز، لأنه حينئذ يشعر بأهميته ونجاحه.. فيأتى التجاهل أبلغ رد يجعل ذلك الطرف الآخر يشعر بضآلته وضحالته.. بل وبموت كلامه، والأدهى أن استخدام كلمة "هوا"، فيه أجمل معانى التجاهل، فكلامه هواء غير مسموع صادر عن هواء غير مرئى، وهكذا يتقزم المعتدى شيئًا فشيئًا حتى لا يصير له أى وجود.
تحياتى للوزيرة نبيلة مكرم التى تعلمنا جميعًا الذكاء، والقوة، والدبلوماسية الفعالة، والمسؤولية المنضبطة، والأخلاق السامية، والأهم أنها تعلمنا فن التجاهل العظيم.
سنظل نحكى ونفتخر ونتذكر طوال الزمان، عن وزيرة مصرية تتميز بالذكاء والفهم واحترام الإنسان، علمتنا درسًا وفنًا ساميًا لن يطوله النسيان.