إيرينى ثابت
العقل منحة ومحنة فى آن واحد.. منحة تُزين الإنسان بأعظم ابتكاراته فى كل المجالات.. العقل هو الذى يذهب بك إلى مناطق خيالية، تنسج فيها من الوهم قصصًا ثرية، كتلك الرواية التى بين يدىّ.. وهو الذى يجعلك تصنع فى الحقيقة مخترعات أقوى وأجمل من الخيال.. العقل منحة تجعلك فوق المخلوقات بل وتتسيد عليها جميعًا.
التحليل، والتبديل، والمواجهة، والهروب، والاحتيال، والحساب، والتفلسف، والتعقل، والتفكر، والاختيار، والكلام، والسلام، والحرب، والسرد، والحلم، والعلم، من أنشطة العقل.
لكن العقل فى الوقت ذاته محنة الإنسان الكبرى.. فهو لا يستسلم ولا حتى للنوم، ولا يقبل المسلمات، ويقف أمام الإيمان البسيط، وأمام الحب المنطلق.. يعاند كثيرًا، يقاوم كثيرًا، يتكبر، ويزهو، ويعقد الأمور.. يمنع التلقائية من الظهور.. ويمنطق الشرور.. صعب جدًا أن تروضه لو كنت قد عودته على الانطلاق، وأطلقت له العنان ليكبر ويقوى.
العقل مفتول العضلات، قوى الشكيمة، متغطرس وقاس.. كلما زادت مساحة تواجده، احتل الكيان الإنسانى.. يكسر القلوب ثم يُصاب بالجنون..
العقل محنة ليس حين يتقوى فحسب، بل أيضًا حين يضعف.. إذا تقوت ضده الذات العليا، بحسب فرويد، صار الكيان الإنسانى كله ضعيفًا يئن تحت وطأة الشعور بالدونية وعدم الثبات، ونقص الثقة بالذات.
إذا أحببتِهِ أو أحببتَها ضد ما يمليه عليك عقلك، إذا تركت العنان لعاطفتك وبذلت للمحبوب بكل الطاقة، وبكل القوة، وبكل ما تملك، إذا لم تدع عقلك ينطق لك ببعض ما يلزم لخلاصك، خصوصًا لو لم يكن المحبوب على قدر بذلك، فأنت تبدد منحة العقل وتحوله محنة بإلغائه وتقزيمه.
كيف نروض عقولنا دون أن نضعفها؟.. كيف نجعلها موسومة بحب الله؟.. كيف نقودها للتواضع قليلًا، وللتنازل قليلًا، وللتسليم قليلا؟.. كيف نبعدها مسافة إنسانية مناسبة عن التحليل الكثير دون الإخلال بوظيفتها الأساسية ألا وهى التفكير؟.. كيف تقنع عقلك أن يتفكر فى الرجاء دون دليل مادى يبعث على الأمل؟.. كيف يتنازل عقلك ويبذل من أجل الحبيب والأصدقاء؟.. أليست هذه هى محنة العقلاء؟
عدت إلى الرواية.. رواية "حمام الدار: أحجية ابن أزرق"، التى صدرت منذ عامين لسعود السنعوسى، الروائى الكويتى صاحب رواية "ساق البامبو" الشهيرة.. وجدت أن العنوان الجانبى الذى سبق "منحة العقل ومحنته" كان: "مناوشة شك ليقين".. تيقنت حينها أن ما ذهب له تفكيرى من تفسير منحة ومحنة العقل إنما يتلخص فى هذا الصراع الإنسانى الأول والمستمر، الذى لا ينتهى بين الشك واليقين..
أحجية ابن أزرق، بطل الرواية، هى إذا كان قول الجدة "بصيرة" الذى تسلمه منها يقينى أم لا.. قالت الجدة بصيرة للبطل حين كان طفلًا: "حمام الدار لا يغيب، وأفعى الدار لا تخون".. وظل عقل البطل مُتحيرًا هل سيعود الحمام الذى طار بعيدًا عن الدار؟.. ومتى ستلدغ الأفعى أحد أبناء الدار؟.. وهل مصدر تلك العبارة التى يرددها عقله هو بالفعل الجدة بصيرة أم أنها مجرد خيال حاكه عقله وهو طفل صغير ليتشبث بأمل يجعله يتمسك بحياة لا معنى لها ولا يقين فيها؟.. إذ أن جدته نفسها كانت عجوز عمياء، بل، حسب قول أبيه، هى أيضًا بكماء صماء!!
العقل هو منحة ومحنة الإنسانية.. وهى جهاد الإنسان مع نفسه طوال حياته.