البث المباشر الراديو 9090
إيرينى ثابت
سألتنى: هل يتحكم الماضى فى مصائر الناس؟ وهل يطارد شبحه الإنسان حتى لو أراد أن يتخلص من آثار ماضيه السيئة؟ وهل هذا هو القدر؟ وكيف يتغير؟

كانت تلك المناقشة بيننا حول مسلسل صراع العروش "Game of Thrones" وهو المسلسل الأكثر مشاهدة فى العالم والذى من المنتظر أن تذاع حلقته الأخيرة فى موسمه الثامن والأخير بعد أيام.

متابعو صراع العروش وجدوا أن الموسم الثامن أقل كثيرًا من مستوى توقعاتهم وأثاروا جدلًا على صفحات التواصل الاجتماعى، ووصل عدد المطالبين بإعادة كتابة الموسم الثامن حتى كتابتى لهذه الكلمات إلى ما يفوق نصف مليون مشاهد!

سألتها لماذا ترون أن الحلقات الأخيرة سيئة أو دون المستوى؟ وفهمت أن ثمانى سنوات من متابعة تلك الملحمة المليئة بالقصص الأساسية والفرعية والمزدحمة بالشخصيات والأحداث والبطولات والإخفاقات جعلت مشاهدى المسلسل يتابعون حياة الشخصيات الخيالية وكأنها شخصيات حقيقية، يتفاعلون معها ويفهمون دواخلها ويتابعون صعودها وهبوطها، والأهم الذى لم تقوله هى ولكننى أحسسته بوضوح من كلامها: أن المشاهدون يبحثون لتلك الشخصيات التى أحبوها عن النور والخلاص والحياة.

المشكلة إذا هى الإحباط الذى أصاب المشاهدين من جراء العجلة التى أصابت صانعى المسلسل فاستحضروا ماضى الشخصيات دون اعتبار تطور حياة كل منهم، واختاروا أن يسكنوا نهاية كل شخصية فى شبح ماضيها، وخصوصًا لو كان شبحًا أسودًا مظلمًا، تلك الشخصيات التى كانت طوال مواسم المسلسل تتمايل بين الشر والخير وتحاول الانتصار على مرارة ماضيها مما يجعلها أقرب للإنسان الطبيعى الذى يحيا ليجاهد ضد شره، وشرور مَن حوله، وعقد ماضيه؛ فجأة تستسلم لنهايات غاية فى الإحباط تتخلى فيها عن خططها لمستقبل منير وحياة وخلاص من الموت!

لا أدرى لماذا قام صانعو المسلسل بلوى أقدار ومصائر الشخصيات لتحقق تلك "التيمة" الحزينة والبائسة، هل يقصدون أن يفهم المشاهدون أن هذا هو واقع الحياة: لا توجد نهايات سعيدة ولا توجد نجاحات دون ثمن من الحزن؟ أم يقصدون تنبيه المشاهد إلى أن هذا هو مستقبل العالم: التاريخ يعيد نفسه، ونجاحات تليها إخفاقات، والحياة دول؟ وهل يرى صانعو المسلسل أنهم وحدهم لهم الحق فى تقرير مصائر الشخصيات فى عالم يشترك فيه الإنسان فى صناعة الخيال كما يشترك فى صناعة الواقع؟

ذلك العالم الذى تحول فيه "الإنسان" إلى "زبون" يصنعون له الأشياء والأطعمة والملابس والأجهزة حسب ما يريد، صار الآن عالما يخلق فيه الزبون خيالًا يليق بتطلعاته، وعلى صانعى المسلسل الانصياع لرغبات الجمهور لأن "الزبون دائما على حق"، وينبغى تعديل اسم المسلسل فى الطبعة الثانية من الموسم الثامن – والتى أتوقع أن صانعى المسلسل سيعيدونها تبعًا لرغبة المشاهدين – فيصير اسما يتفق مع صراع المشاهدين مع المؤلفين على صناعة أقدار الشخصيات.

إذا ظل المسلسل كما هو سيكون محبطًا للمشاهدين، وإذا قرروا صناعة الموسم الثامن من جديد على ذوق المشاهدين وبطريقتهم سيكون أكثر إحباطًا.

أولًا لأن تعديل مصائر الشخصيات سيجعلها باهتة متباعدة عن الحقيقة ويعزلها فى منطقة الخيال المصطنع، وثانيًا لأن صنع نهاية ثانية هو فتح للمجال أمام تخيل نهاية ثالثة ورابعة وخامسة وهو ما سيقضى على تاريخ المسلسل ومصداقيته لدى مشاهديه أكثر وأكثر، وثالثًا والأهم: هو أن قوقعة الإنسان الزبون تضيق وتضيق لدرجة أنه لن يترك مجالًا دون أن يتحكم فيه حتى خياله.

الواقع ما زال أرحب من تلك الفكرة البائسة، والناس الحقيقيون يتغلبون على أوجاعهم، ويتطلعون لمستقبل يمحو آثار الماضى لو كان مظلمًا، ويفتشون على طرق الخلاص وسبل الحياة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز