البث المباشر الراديو 9090
إيرينى ثابت
من السهل أن تزرع لغمًا وتفخخ سيارة وتهرب.. من السهل أن تؤذى حيوانًا ضالاً فى الطريق.. من السهل أن تقف فى شباك بيتك وتقذف الأحجار على المارة.. من السهل أن تضع قدمك أمام طفل برئ يجرى فينقلب على الأرض.. من السهل أن تقطع شجرة وتقطف وردة.. أن تخرب السيارات بمسمار صغير.. أن تقطع مقاعد أوتوبيس النقل العام.. أن تشعل نارًا.. أن تتسبب فى (خناقة).

ومن السهل أن تعلّم ابنك صنع الشر.. أن يكذب ويقول انك غير موجود وأنت فى البيت.. أن يضرب زميله.. أن يغش فى الامتحان.. من السهل أن تمتدحه كلما (استغفل) البائع المسكين أو سرق من بضاعته دون أن يشعر.. من السهل أن تعلم ابنك أن الرجولة هى استضعاف الآخر وأن الراجل هو من أخذ حقه بيده.. ومن السهل أن يعلم الدواعش أبناءهم القتل والذبح والنحر والتعود على مناظر الدم وهم صغار حتى يشبون على الشر المميت.

ولكن من الصعب أن تصنع خيرًا.. من الصعب أن تترك عملك من أجل مريض يحتاج أن تنقله للمستشفى.. من الصعب أن تترك نومك وتقلق راحتك فى يوم الإجازة لتقوم بخدمة لقريب أو تطوع بمعروف لغريب.. من الصعب أن تحفر الأرض لتزرع شجرة.. من الصعب أن تستر على مخطئ.. أن تغفر لمذنب.. أن تصبر على مسن.. أن تترك مكانك لغيرك.. أن تقدم محبة غير مشروطة.

من الصعب أن تعلم ابنك أن يصنع خيرًا.. من الصعب أن تعلمه ألا ينتقم لنفسه.. أن يعطى الآخر مما عنده حتى لو كانت اللعبة التى لا يلعب بها كثيرًا.. ألا يستأثر بالأفضل لنفسه.. أن يلتزم بالقواعد والأخلاقيات حتى لو لم يكن هناك رقيب.. أن يبنى ولا يهدم حتى لو كان كل من حوله يهدمون.. وأن يكون أمينًا وكل من حوله يغشون.. أن ما يجعله رجلاً هو أن يحترم كلمته ويحترم الآخر.. أن معنى الرجولة هو الشهامة فى المواقف، والنزاهة فى التعاملات، والاستقلال فى الفكر والسلوكيات.

لكن ما لا نواجهه حقًا هو نتيجة الطريق السهل! طريق الشر سهل، ولكن النتائج وخيمة.. فكما تصنع أنت الشر سيصنعه جارك، وكما تعلم ابنك الضرب سيكون زميله فى المدرسة على درجة الشر ذاتها وربما أكثر.. إذا رميت كيس القمامة أمام بيت جارك استسهالا فقد يكسر هو مرآة سيارتك انتقاما.. وإذا ضرب ابنك زميله فى المدرسة ليثبت لك انه قد صار رجلاً كما علمته، قد يعود لك مكسور اليد أو مجروحًا لأن زميله (أرجل) منه.. الشر يجلب شرًا.. والفكر المسىء للآخر سينال منك حتمًا.

المضحك المبكى أننا عندما نكون (فاعل) الشر نضحك ونبتهج، لكن إذا صرنا (مفعول به) الشر نغضب من الفاعل ونتهمه بـ(الشرير) ونتعجب من نقصان الخير فى الدنيا ونمصمص شفاهنا ممتعضين من فناء الخير: (هو محدش يعمل خير لوجه الله).. ولو أخطأنا – حتى عن عمد – نطلب من الآخر أن يسامحنا و(يعديها) لكن إن أخطأ واحد فى حقنا – ولو بغير قصد – نصمم على العدل والقصاص وننسى الرحمة والغفران والتسامح.. لو كان كل واحد منا يختار أن يكون (فاعل) الخير، سيكون هو أيضًا (مفعول به) خيرًا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز