البث المباشر الراديو 9090
إيرينى ثابت
يستطيع الإنسان بسهولة لا يستطيعها غيره من المخلوقات أن يخلق لنفسه أعداءً يحاربونه وينتقصون من مكانته التى هى على رأس الخليقة كلها، ثم يفنونه!

فى أوائل القرن التاسع عشر كان العالم يسعى لصنع طرق السكك الحديدية لتخترق البلاد والجبال، وتجرى القطارات بالناس والبضائع من هنا إلى هناك.. ولتمهيد الطرق كانوا يستعينون بعبيد من الأصول الإفريقية يقومون بحفر الأرض لتوضع فى تلك الحفر متفجرات تفجر الجبال وتعد المكان لإنشاء السكك الحديدية.

كان جون هنرى أحد أشهر، وأسرع، وأبرع وأقوى الذين يقومون بتلك المهمة الشاقة، وإذا بهم يخترعون حفارًا ميكانيكيًا يعمل بالبخار للقيام بالعمل بدلًا من الإنسان.

اغتاظ جون هنرى.. وقرر أن يتسابق مع الآلة الجديدة ليثبت أن الإنسان أقوى من الآلة، وأقيم السباق، وكان هنرى العملاق بعضلاته المفتولة يسبق الآلة الكريهة ويحفر بمهارة عالية.. استمر يجاهد ويقسو على نفسه حتى نهاية السباق، وفاز فيه بالفعل، ثم وقع على الأرض فى حالة من الإعياء الشديد، وقبل أن يفرح بفوزه، مات.. نعم.. مات جون هنرى وصار أيقونة بصورته المشهورة فى كل العالم ليخلِّد موضوع الصراع بين الإنسان والآلة.

وفى عام 1996 جلس أسطورة الشطرنج جارى كاسباروف أمام كمبيوتر من صنع IBM ليلعب مباراة شطرنج ليست سهلة.. كان كاسباروف يلعب مع آلة لا وجه لها ولا عينين!! وكان ينظر للآلة التى أسماها "الوحش" وهو مقطب الجبين.

انتهت المباراة بفوز كاسباروف، ولكنه كتب مقالًا خطيرًا عن مشاعره وأفكاره حول اللعب مع الآلة.. قال إنه رأى علامات ذكاء فى تلك الآلة، ولكنه ذكاء من نوع غريب.. ليس جيدًا.. وليس مرنًا.. كما قال إنه يعتقد أنه يتبقى له مجرد عدة سنوات يلعب فيها الشطرنج وينتصر قبل أن تنتصر الآلة!

ولم تصدق توقعات كاسباروف، لأن عام 1997 شهد تطورًا كبيرًا وسريعًا صنعه الإنسان فى كمبيوتر الشطرنج، ولما أُقيمت المباراة، فاز الوحش الجديد على الإنسان كاسباروف!! ليس بعد عدة سنوات كما توقع البطل، بل بعد سنة واحدة فقط.

وفى العقد الأول من القرن الـ 21، وبالتحديد فى عام 2006 فى بطولة لعبة "الاسكرابل" المفتوحة فى تورنتو، فازت الآلة على الإنسان.. لعبة السكرابل هى لعبة تكوين كلمات من الحروف المتناثرة ولها عدد من الحروف ورقعة خاصة تحملها وتحتسب النقاط للاعبين.. ولأن الإنسان مصمم على هزيمة نفسه وكشف ذكائه الطبيعى فى برمجة آلة غبية لتصبح أكثر ذكاءً منه، قام بعض صناع البرمجيات بالاستعانة بخبراء لتطوير برامج تكوين الكلمات ودخلت الآلة فى نهائى البطولة ضد ديفيد بويز بطل العالم فى اللعبة.

انتصر ديفيد فى المباراتين الأولى والثانية، ثم انتصرت الآلة فى الثلاث مباريات التالية لتكون هى الفائزة بالبطولة.. كان ديفيد بويز قد شعر بالفخر والثقة حين بدأ بالانتصار، ولكن الآلة الخبيثة وكأنها قد عرفت إمكانياته بدأت بتكوين كلمات أكبر وأصعب منه، وبمهارة أعلى، وبنقاط أكبر، وصارت النتيجة النهائية 482 للآلة مقابل 465 للبطل الإنسان!

والأسئلة التى تطرح نفسها هى، لماذا يقوم الإنسان بصنع آلة تشعره بالنقصان، وبخيبة الأمل، وبالهزيمة؟، وهل هناك مخلوقات أخرى تصنع بيديها أعداء يقزمونها ويهزمونها؟، وهل يدرى صانعو تلك الآلات أنها لن تهزم البشر الآخرين وحدهم، بل سيأتى يوم، وهو قريب، حين تنقلب على صانعيها فتهدمهم كما انقلب على فرانكنشتين الوحش الذى خلّقه؟، وهل يدرى العالم أن أفلام الخيال العلمى التى تصور الإنسان الروبوت، إن جاز تسميته إنسانًا، يتصارع مع البشر، ستصير حقيقة لا خيالًا سينمائيًا عما قريب، ربما عام 2030؟

ولك أن تراجع "صندوق الرؤية" وراجيف ميسرا اليابانى، ولقاءاته الخطيرة وجمعه لاستثمارات الصندوق التى يهدف أن تكون 100 مليار دولار، وهو ما لم يحدث فى التاريخ!، وهل يعرف البشر أنهم بذلك يتخلُّون عن مكانتهم على رأس الخليقة ويضعون مكانهم أشباه بشر لا يموتون ولا هم أحياء؟

بعد هزيمة ديفيد بويز فى تكوين كلمات، واللغة إحدى مميزات الإنسان المتحضر الذكى المتميز، لا الآلة الصماء، قال بنوع من المرارة: "ومع كل هذا ما زلتُ أفضل أن أكون إنسانًا على أن أكون آلة".

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز