البث المباشر الراديو 9090
إيرينى ثابت
ماذا لو كانت انتصارات المنتخب المصرى لكرة القدم توالت مباراة بعد الأخرى حتى وصلنا للدور النهائى؟ بل وحصلنا على البطولة؟

فى فيلم "بين السما والأرض" وبينما كان أبطال الفيلم محبوسين فى الأسانسير بين السماء والأرض، كانوا مهزومين، كانت السماء بمفهومها الدينى أقرب إليهم من الأرض، أى كان الموت أقرب لهم من الحياة، لذا بدأوا يندمون على شرورهم، ويطلبون المغفرة، بل ويتعهدون بعدم العودة لتلك الشرور مرة أخرى.. تحت ضغط الظروف وما ينتظرهم من مستقبل غامض، أخذوا تلك العهود على أنفسهم.

ثم تغيرت تلك الظروف، وتم إنقاذ ركاب المصعد، وعادوا للأرض بحيواتهم القديمة وأعمالهم وأنشطتهم اليومية، وبالتالى عادوا لشرورهم المعتادة، وعاد اللص للسرقة بعدما كان قد تعهد بصدق ألا يسرق، والمتحرش عاد ليتحرش، والخائنة غالبا أيضا ستخون.

حينما يقف المجتمع أمام الهزيمة الكروية المدوية وخروج الفريق من البطولة فى دور الـ 16، تتحول المواقف تبعا لتلك الظروف، وإذا كان صلاح أبو سيف مخرج "بين السما والأرض" قد وضع المجتمع المصرى ممثلًا فى الـ14 شخصًا فى سجن المصعد بين السماء والأرض، بين هزيمة الأقدار والانتصار عليها عام 1959، فقد وضعت البطولة الكروية المجتمع المصرى كله فى سجن الهزيمة عام 2019 بعد 60 عامًا من الفيلم.

الهزيمة تجعلك تبحث عن الأسباب، وهى أسباب متعددة جدا ومتنوعة وتمس أشخاصا وأجهزة، وتنبنى على فساد مسكوت عنه، الهزيمة والخروج من البطولة هو على عكس الفيلم تماما، لأننا لو كنا انتصرنا وتوالت انتصاراتنا قطعا لم نكن لنبحث عن المخطئين والمتجاوزين والفاسدين.

لو كانت توالت انتصاراتنا، كانوا سيعودون لسابق عهدهم كما أبطال الفيلم والخروج من المصعد.

لو كانت توالت انتصاراتنا، كان الفساد الشخصى والإدارى قد بقى كما هو، لا بل ربما أقاموا الحفلات للفاسدين لأنهم ينتصرون فى البطولة الكروية.

لو كانت توالت انتصاراتنا، ربما – ولكن ليس الجميع – يغض المجتمع بصره عن التجاوزات الأخلاقية فى سبيل رفعة الكرة المصرية.

أما لو كنا حصدنا البطولة، فحدث ولا حرج، كانت ستقام الاحتفالات وينحتون أصناما للأبطال الكرويين، ويشيدون بالمدرب العبقرى ويقولون أن ما يجنيه من أموال لا يُقدّر إذا ما قسنا فرحة الجماهير بالنصر العظيم، وأما الجهاز الفنى والإدارى فما أعظمهما، وأنهما لأحد أسباب تحقيق النصر!

قد لا تكون الخسارة سلبية وسوداء كما يراها كثيرون، على العكس رب ضارة نافعة، والحقيقة أنها فعلا نافعة.

ستضع الأشياء فى مكانها، والنقاط على حروفها، وستجعل الأشخاص مكشوفين، إداريين ومدربين ولاعبين.

وقد تجعلنا الخسارة نراجع أنفسنا حتى كجمهور للمباريات، هل نحن فعلا حريصون على نجاح البطولة من الناحية التنظيمية؟ هل ما زال الجمهور الذى يحب الكرة يشترى تذاكر مباريات الفرق الأخرى؟ أم أننا متعصبون للفريق، لا محبون لكرة القدم؟

ربما أيضا نراجع هويتنا التى ننادى بأنها إفريقية فى أغنية البطولة، ولكننا لا نثبت ذلك بإنجاح مباريات البطولة الإفريقية، بشراء أعلام تلك الدول والنزول لتشجيعهم فى الملعب، والهتاف لهم من مواطنى الدولة الكبيرة المضيفة مصر.

ربما نسأل أنفسنا السؤال الأهم: هل نحن فعلا وطنيون نحب أن تظهر بلادنا أمام القارة والعالم بشكل متحضر يليق بها؟

دعنا من الكلام والأغانى ودعنا من تصديق العهود والشعارات، ولنتعلم من "بين السما والأرض" أن العهود تحت ضغوط، والشعارات للمنتصرين، لا معنى لها ولا يتعدى تاريخ صلاحيتها عدة دقائق.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز