إيرينى ثابت
شكرًا للفنان الذى تصرف بإنسانية تبيض صورة الفن فى مصر، وتكشف أن الفنون رقى بالمشاعر، وسمو للإنسانية، وأن التمثيل ليس "تمثيلا" بل هو تجسيد للحياة والمشاعر الإنسانية من خلال السينما، وأن من يعمل به ليس "ممثلا" بل هو فنان إنسان يتفهم طبيعة المشاعر الإنسانية التى يقوم بتجسيدها عبر فنه، هو ليس مقلدًا لما يراه، لأن الفنان الحقيقى يضع نفسه مكان الآخر، ويستشعر مشاعره فرحا كانت، أم حزنا، أم حبا.
شكرًا لعمرو سعد الذى أدرك بوعى أن الدور المجتمعى للفن هو الارتقاء بالفكر، ليس من خلال موعظة فى فيلم، أو إرشادات مباشرة فى تعاليم نظرية محفوظة ولا يعمل بها أحد، شكرًا لأنه ضرب مثالًا لنهج عملى ليس فى "قبول الآخر" بل فى محبة المجتمع وأفراده بدون تمييز.
دائما نضع الفنان تحت الأضواء، ننتقد تصرفاته وسلوكه وشكله وكل ما يظهر منه، ونبرر اللوم بأنه "شخصية عامة" والشباب يتعلمون منه أو منها لذا ينبغى أن يكون الفنان قدوة، وكلما بلغت قوة تأثيره على الجماهير، طالبناه بمستوى منضبط وراق من السلوك، إذن يصير من الضرورى أن نمتدح فعلا ساميًا ونشيد بفكر إنسانى راقِ صدر عن هذا الفنان حتى ما يقتدى به آخرون، لا أعنى أن يقدموا جوائز أو مساعدات، بل يشعرون بمَن حولهم، ويحسون بمصيبة طفلين فقدا أمهما فجأة وبصورة وحشية.
أتمنى أن لا يقف خبر تبرع عمرو سعد بالجائزة للطفلين عند كونه مجرد خبر إنسانى أو مواطَنى – إن جاز التعبير بالصفة هنا!! بل تصير تلك اللفتة مقدمة للاهتمام الإنسانى بأبناء الشهداء وذويهم فى وطن أصابه الإرهاب إصابات بالغة فى السنوات الأخيرة، حتى صرنا محاطين بأبناء رحل والدهم أو والدتهم، الجندى أو الشرطى أو المواطن أو المصلى فى كنيسة أو حتى فى مسجد أو تصادف عبوره أو عبورها الطريق بجانب حادث إرهابى، هؤلاء الأبناء والبنات يحتاجون إلى رعاية من نوع خاص تؤكد لهم جميعا أن الوطن وطنهم وسيبقى لهم مهما حدث.
ينبغى أن يتولى المجتمع بشكل ما التأكيد لهؤلاء أن غضبهم لرحيل ذويهم لا يعنى بأى حال أن الوطن ليس وطنهم، قد لا نود أن نواجه تلك الحقيقة ولكنها واقع مؤلم ينبغى أن نتعامل معه بالطريقة الصحيحة، لا أن نخفيه أو نقنع أنفسنا أنه ليس حقيقيا.
يا سادة.. الأطفال، بل والكبار أيضا أحيانا يغضبون بدلًا من أن يحزنوا، وينصب غضبهم على المجتمع والمكان والموقع الذى رحل فيه ذويهم، ما يؤدى إلى نقص كبير فى الانتماء للوطن وللمجتمع، ويحتاجون لرعاية نفسية تساعدهم فى التعبير عن مشاعرهم وأحزانهم بشكل سليم، ومن ثم تنظيم وتهدئة تلك المشاعر قبل أن يقودهم الغضب لكراهية الوطن والمجتمع بل وأنفسهم.
أتمنى أن يبدأ الفنان عمرو سعد أو الفنانون بوجه عام أو غيرهم من المصريين المهتمين بمستقبل هذا الوطن بإنشاء كيان يهتم بأسر الشهداء، ليس على المستوى المادى ولا على مستوى الرعاية الاجتماعية، بل على مستوى إنسانى من الرعاية النفسية والاهتمام الشخصى بهم، وأضيف لهؤلاء كل من تأذى نفسيا من الأعمال الإرهابية، وأخص بالذكر الجرحى والمصابين الذين حتى وإن تماثلت أجسادهم للشفاء تظل نفسياتهم تحمل المرارة، ومثلهم كل الذين عبروا الأحداث الإرهابية دون إصابات جسدية ولكن منهم من خرج بعاهات نفسية صعبة.
لست أبالغ لأن لى صلات شخصية بمثل تلك الحالات الذين لا يتحدث عنهم الإعلام، ولا تهتم بهم أى جهات حكومية أو أهلية طالما لا يعانون من مشكلات جسدية، لذا أدعو المجتمع من خلال لفتة عمرو حسن لأن يلتفت لهم.
مرة ومرات شكرًا للفنان ومبروك الجائزة وكل عام وأنت بخير بمناسبة عيد ميلادك.