البث المباشر الراديو 9090
إيرينى ثابت
سألنى المفكر: هل تعلمين ما هى الحكمة؟ ومن الذى يقتنيها؟ وهل الحكيم هو المتقدم فى الأيام صاحب الخبرة؟ أم هناك شباب حكماء؟ وهل الحكيم دائما يتصرف بحكمة أم تضيع حكمته فى موقف أو آخر؟

وقبل أن أجيب كان يلاحقنى بأسئلة أكثر.. هل الحكمة هى خبرات الحياة أم هى صفة يولد بها الشخص ولا توجد عند أخيه؟ وهل ترتبط بالعلم؟ لكن أناسا بسطاء الثقافة جدا يمتلكونها.. ولماذا يشيخ شخص ما ولا يتحصل على أى قدر من الحكمة حتى لو كان ذكيا وواسع الخبرات؟

دفعتنى الأسئلة للبحث والاستقصاء ومحاولة فهم معنى الحكمة ومواصفات من يمتلكها أو على الأقل يمتلك قدرا ليس قليلا منها.. لم أذهب إلى التفسيرات العلمية بل إلى خبرات الفلاسفة والمفكرين والباحثين فى علوم العقل، ووجدت أن بداية الحكمة عند أرسطو هى معرفة النفس، فقد قال: "أن تعرف نفسك هى بدء الحكمة"، كيف يعرف الإنسان نفسه؟ هل يسأل الآخرين عما يرون به من صفات؟ أى آخرين؟ وهل يضمن حيادية اجاباتهم؟ هل يبحث هو فى ذاته ويتعرف على نقاط ضعفه ونقاط قوته؟ وهل هذه مسألة سهلة؟ ومتى يعلن الإنسان أنه عرف ذاته؟ أم أنها رحلة حياة يستمر فيها الانسان فى اكتشاف ودراسة نفسه وأفكاره وما يتغير وما يتجدد منها وثوابته التى تبقى مهما طال الزمن؟

لكن ما هى الحكمة؟ أهى مجرد معرفة الذات؟ يقول باولو كويلو فى رواية الكيميائى: "إن أكثر الأشياء عجبا فى العالم هى الأشياء البسيطة، والذين يرون الأشياء البسيطة هم فقط الحكماء"، الحكمة إذن ليست أقوالا معقدة وليست خبرات علمية مركبة، هى فى ملاحظة الأشياء والتصرفات والسلوكيات والخبرات البسيطة، ربما الناس البسيطة، والحياة اليومية بتفاصيلها البسيطة ودروسها البسيطة هى التى تكسب الإنسان حكمة إذا لاحظها جيدا وحفظها فى قلبه.

وماذا غير البساطة؟ يقول فريدريك نيتشه قولا غريبا يصف به الرجل الحكيم: "الرجل الحكيم هو الذى يستطيع ليس مجرد أن يحب أعداءه، بل وأن يكف عن محبة أصدقائه".. وقفت كثيرا أمام هذه العبارة، وما فهمته هو أنه يقصد أن الرجل الحكيم يضع عقله أولا، وإن كانت عاطفته تعارض عقله فى موقف ما، ينبغى أن يحكم عقله، فمحبة الأعداء تغلبهم، وهذا ما يستطيعه الحكيم ولا يقدر عليه أحيانا الأقوياء، لأن الحكيم لا يترك لوجدانه ومشاعر الكراهية أن تتملكه، وبالتالى يتمكن من تقديم عمل محبة ومصالحة ويكسب أعداءه بالسلام لا الحرب، ولكن الأصعب - فى رأيى - هو أن يكف عن محبة أصدقائه إذا كانت محبتهم تحيد به عن طريق الحق، أو اتباع مشوراتهم الخاطئة، أو الإبقاء عليهم فى مكان ومكانة لا يستحقونها، وهنا ينبغى على الحكيم أن يكف عن التنازلات التى يقدمها من أجلهم باسم المحبة، ويترك لعقله السيادة لا لقلبه.

أما كونفوشيوس فيقدم ثلاثة بدائل لتعلم الحكمة، إذ يقول: "نتعلم الحكمة من خلال ثلاثة طرق: الأول هو التفكير والتأمل، وهو الطريق الأسمى لاقتنائها، والثانى هو أن نتبع خطى الحكماء ونحذو حذوهم، وهو الطريق الأسهل، والثالث هو أن نختبر ونعبر بالتجربة، وهو الطريق الأكثر ألما".

ثم أتى أمامى أيزاك أسيموف ليضيف لى مقولته التى تؤكد أن المعرفة وحدها ليست الحكمة، إذ يقول: "إن أكثر ما يحزن فى الحياة المعاصرة أن العلم يجمع المعرفة بسرعة أكبر كثيرا من سرعة المجتمع فى اقتناء الحكمة"، الحكمة إذن مجتمعية، وليست معارف علمية، الحكمة دروب شخصية، تسير فيها كل البشرية، ولكن قليلين هم الذين يتوقفون أمام الأشياء البسيطة فيتأملون ويتعلمون ويراجعون ذواتهم التى لدواخلها يكتشفون، ثم لعقولهم يحتكمون.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز