إيرينى ثابت
قصة قصيرة – كانت السيدة الحكيمة فى رحلة استكشاف واستجمام بين الجبال.. وفى الوادى بجانب جدول المياة وسط الجبال وجدت حجرا ثمينا، فأخذته ووضعته فى حقيبتها.. ولما جلست لتستريح قليلا، قابلها مسافر آخر عبر الجبال والوديان.. وكان الرجل جائعا فطلب منها بعضا من طعام.. فتحت السيدة الحكيمة حقيبتها وأخرجت طعاما أعطته له.. وبينما كانت تُخرج الطعام، لمح الرجل الحجر الثمين.. جلس وأكل ثم قال لها: أتعطينى الحجر الثمين الذى فى حقيبتك؟ وبدون تردد، فتحت الحقيبة مرة أخرى وأخرجت الحجر وأعطته إياه.
ثم ذهبا، كل واحد فى طريقه.. وكان الرجل يفكر طوال الطريق فى قيمة الحجر الثمين الذى سيبيعه ويقتنى ثروة يستثمرها ليعيش هو وأسرته من العائد دون أن يشغل باله بعمل أو وظائف.. وفى الليل عاد كل منهما إلى ذلك النُزُل الصغير الذى ينزل فيه غالبية زوار الجبال فى تلك البقعة.. لم ينم الرجل طوال الليل.. كان يفكر لا فى مشروعاته الاستثمارية، بل فى البحث عن إجابة السؤال: لماذا أعطته السيدة ذلك الحجر دون أدنى مناقشة؟
وفى اليوم التالى، أبكرت هى لتتناول الإفطار وتذهب للتنزه المبكر فى وسط الجبال.. وكان هو ينتظرها بعينين أرهقهما السهد.. بادرها بالتحية واستأذن وجلس مقابلها.. أخرج الحجر من جيبه وأعطاه لها.. قائلًا: أنا لا أريد هذا الحجر الثمين، بل أطمع فيما هو أكبر قيمة منه.. قالت: ماذا تعنى؟ قال: إذا كنتِ قد أعطيتنى هذا الحجر بسهولة، فأنتِ إذن تملكين ما هو أثمن كثيرا منه.. فنحن نستغنى عن الأقل قيمة لأننا نملك الأثمن.. أعطنى إذن هذا الأثمن!!
انتهت القصة القصيرة.. ولم يذكر الكاتب ما إذا كانت السيدة الحكيمة قد استعادت حجرها الثمين أم لا.. وما إذا كانت قد أعطته شيئا آخر أم لا؟ ولكن كل المعلومات المتوفرة لدينا هى أن كل ما تمتلكه السيدة هو الحجر والحكمة!!
تقول تعريفات الحكمة أنها المعرفة والخبرة والفهم وسرعة البديهة والبصيرة النافذة وحسن تقدير الأمور وأنها ترتبط بالسعى لمعرفة الذات والتعاطف والإحساس بالآخرين.. وتميل كثير من تعريفات الحكمة إلى أنها ترتبط ارتباطا وثيقا بالفضيلة!! قد يعترض البعض.. ولكن الحكمة تظهر فى تصرفات وسلوك الإنسان وغالبا يسلك الحكماء بأنواع شتى من الفضائل التى تبين لمَن حولهم مقدار تلك الحكمة.
أعود من هنا للقصة القصيرة.. السيدة الحكيمة تخلت عن الحجر للرجل الطامع.. والتخلى فضيلة سامية لا يمتلكها سوى قليلين.. ولكن وراء الأحداث، أحداث أهم.. الرجل الطامع رجل جائع.. والجوع هنا رمز للعوز.. هو دائما يحتاج أن يأخذ من الآخرين.. والسيدة الحكيمة تملك الكثير.. هى معها الطعام ومعها الحجر.. ولكنها تعطى الكثير أيضا.. وكل مَن يسألها أو يطلب منها تمنحه خيراتها.. طلب منها طعاما فأعطته بسخاء.. طلب الحجر فأعطته إياه..
والرمز فى القصة واضح وبسيط.. ففى نظر الحكيمة لا يختلف الطعام عن الحجر الثمين إذ أن الأول يمثل الغريزة – الجوع – والثانى يمثل المادة والجوع لها أيضا.. وكلاهما من الأشياء التى تمتلكها الحكمة ليس لتقتنيها بل لتهبها للآخرين.
أليست الفضيلة والحكمة متلازمتين إذن؟
لا أعلم كيف انتهت القصة ولكن كاتبها الذى ترك لنا النهاية مفتوحة كان بالطبع يود أن يتخيل كل واحد من القراء نهاية تتفق مع فكره.. أتوقع إذا أن الحكيمة قالت للرجل: "احتفظ بالحجر ولا ترده لى.. أما ما هو أثمن منه فقد بدأت أنت أن تعرفه، فقط ابحث عنه وسيبحث عنك ويجدك".. لقد دخلت الحكمة فى قلب الرجل والدليل أنه لم يعد طامعا فى الحجر ولا جائعا للمادة، بل تعلم أن يتخلى عن الحجر فى مقابل اقتناء الحكمة التى هى أثمن من كل شىء.. وأتوقع أن القصة التى بدأت بمشهد تجول الحكيمة بحثا فى الجبال عن الحكمة، انتهت بمشهد مماثل، يتجول فيه الرجل باحثا لا عن الأحجار بل عن الحكمة رافعا عينيه إلى الجبال فى انتظارها.