أحمد سليم
سنوات قد لا تكون طويلة بحساب الزمن العادى، ولكنها طويلة وطويلة جدًا بأحداثها وما مر بها وما رأيته وعشته.. حياة بالقرية وأخرى بالمدينة.. مشروعات انتهت على الورق ولم تتحقق وأخرى ظهرت فجأة.. قدرها الله لتتحقق وتحقق آمالاً عديدة.
آلاف الأشخاص دخلوا الحياة وخرجوا منها.. منهم من ترك بصمة جميلة ومنهم من تمنيت أنه لم يأت.. مسجد القرية ومقاهى المدينة.. صحبة الأقارب وأبناء البلد وصداقة العشرات ومعرفة المئات.
كثيرة هى أوراق العمر، ولكنى وأنا أقلب وأبحث.. كنت أقلب وأبحث عن شيئين ما هو الحب الحقيقى، ومن هو الصديق الوفى.
منذ فترة عدت إلى المنزل مصابًا بشرخ فى قدمى.. متألمًا كنت أجلس على سريرى.. جاءت إلىّ حفيدتى تنظر إلىّ، وتدور حولى وتتلفت، سألتنى بصوت منخفض.. موجوع؟ معلش.. أشرت إلى قدمى فأخذت تنفخ بفمها كأنها تبرد شيئًا ساخنًا.. تلمس مكان إصابتى وتدور حولى وتكرر كلمتها.. معلش.. معلش.
كنت أرى فى عينيها الحنان كأنه اجتمع واللوعة كأنها هى التى تتألم.. كثيرات هن من دخلن وسجلن أسمائهن فى أوراق العمر.. منهن من كتبت سطرًا أو حرفًا، ومنهن من محين أوراقًا.. من دخلت القلب واستكانت ومن مرت مرورًا سريعًا، ومن سجلت اسمها وفقط لتمحوه أحيانًا ذاكرة تضعف مع الأيام، لكنها جاءت لا بشعر كالليل الرمادى الطويل، ولا أنوثة متبخرة، ولا عاطفة متوهجة.. فقط جاءت لتملأ الحياة بهجة وحلمًا ولتعطى العمر امتداد.
ظلت حولى وكأنها تناسمت لحظات الألم ثم تبتسم لتزرع حولى حديقة من الأمل.. بعد كل هذه السنوات الطويلة اكتشفت أننى عرفت أخيرًا الحب الحقيقى، وأنه قد آن لهذا القلب أن يطمئن، فإن هناك من تملؤه حبًا وحنانًا وتحيطه أمانًا واطمئنانًا.. جاء إليه أخيرًا الحب الحقيقى.
كانت أوراق دفتر العمر بين يدى أقلبها وأبحث فيها عن الصديق الوفى.. المئات عرفت وشاركت وزاملت، منهم أيضًا من كان الصديق والسند، ولكن هناك شغف لذلك، ومنهم من كان الرفيق فى فترة من الحياة تقاسمنا العمل والرزق، ومنهم من كان كمصباح ينير طرقات الحياة المظلمة، ومنهم من كان عكازًا فى دروب مليئة بالحفر، ومنهم من كان منقذًا.
رغم كل ذلك، ظللت أبحث عن الصديق الوفى الذى يعطى فقط لأنه صديق، يستمع إليه وأنت متيقن أنه لا يفهم كلامك، ولكنه منصت إليك، يجلس إلى جوارك لا تحس أنه قد مل الجلوس، حريصًا أن يراك مبتسمًا.. تصرخ فى وجهه يبتسم لك.. يلقاك بالأحضان ويبكى لمفارقتك له.. تلعب معه كطفل صغير.. تعلمه وتحاول أن تتعلم منه كم هو بسيط.
أخيرًا.. عثرت عليه صديق وفى لا يعرف الخيانة فهى ليست من طباعه.. يحب لأنك أنت فقط.
ومع نسمات يوم جديد، ومن شرفة منزلى، أرى الأهرام تقف شامخة.. من هاتف صغير يأتى صوت عبد الباسط عبد الصمد يتلو الرحمن، وكوب شاى دافئ.
القاهرة تبزغ لتنير العالم، وتشارك فى صنع يوم جديد.. تستضيف فيه العمر ورقة جديدة.. وبعد بحث طويل فى أوراق العمر اكتشفت الحب الحقيقى والصديق الوفى.. شكرت الله لأنه أعطانى حفيداى "سيلين" الحب الحقيقى و"سيف" الصديق الوفى.