البث المباشر الراديو 9090
أحمد سليم
منذ مائة عام وأثناء ثورة 19، اعتلى القمص مرقس سرجيوس منبر الأزهر الشريف ليخطب فى المسلمين، داعيا لدعم الثورة، وأمس يقف البابا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية والكرازة المرقسية أمام مسجد الفتاح العليم ليعلن ويؤكد أن مصر كانت ومازالت وحدة واحدة وشعب واحد.

مائة عام بين الوقفتين ومصر لم تتغير.. الرئيس يفتتح المسجد وبجواره آباء الكنيسة وشيوخ الأزهر الشريف.. الرئيس يفتتح كنيسة ميلاد المسيح ويقف شيخ الأزهر والإمام الأكبر خطيبًا فى افتتاح الكنيسة.. وما بين خطبة البابا التى أكد فيها على وحدة النسيج الوطنى، وقدَم التحية لأرواح الشهداء وبين خطبة الإمام الأكبر الذى يقف مؤكدا على موقف الدين الإسلامى وشيوخه والأئمة الأجلاء من المسيحيين فى مصر وغيرها.

يؤكد البابا أن وطنا بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن، وأن الإرهاب إذا أحرق الكنائس سيجعل المسيحيين من دخان النار بخورا يقيمون به الصلاة فى كل مكان.. ويرد الإمام الأكبر بأن الدفاع عن الكنيسة وحماية المسيحيين ثابت بالقرآن والسنة، وأنه حق للمسيحيين لدى دولة الإسلام وأنه واجب على المسلمين جميعًا، وأنه وعبر ألف سنة ويزيدوا منذ دخول الإسلام مصر، بنيت مئات الكنائس، ولم تهدم كنيسة ولا صومعة راهب.

وقبل هذا اليوم المشهود كان إمام أحد المساجد فى عزبة الهجانة يجرى خلف أحد الشباب مطاردًا له، مستغيثًا بالمارة صارخًا بأن إرهابى وضع قنابل فوق المسجد ليستخدمها هو وآخرين فى تفجير الكنيسة المجاورة وتأتى قوات الشرطة فيتقدم الرائد مصطفى عبيد ليبطل مفعول القنبلة ويستشهد دماء ضابط مسلم وتحذير إمام مسلم ينقذ مئات المسيحيين من القتل ليلة الاحتفال.

والبابا يفتتح المسجد والإمام يفتتح الكاتدرائية، والاثنان حول الرئيس الذى وعد وحقق الوعد بأن تكون أول منشآت العاصمة الإدارية هى الكنيسة والمسجد.. عامان مرا على وعد الرئيس لتنطلق السواعد المصرية لتبنى أكبر كنيسة فى الشرق الأوسط ورابع أكبر المساجد في عامين.. شركات المقاولات المصرية والخبرة المصرية الخالصة والروح المصرية نفذت ما طلبه الرئيس ليؤكد الجميع في النهاية أن هذه هى مصر.

وأعود للذاكرة أقلب فى صفحات حياتى فى الستينات من القرن الماضى كانت قريتنا تُضاء بمولد كهربائى من السادسة حتى الثانية عشرة مساء وكان المسؤول عنه عم عبيد الكهربائى المسيحى الذى يحرص خلال رمضان على بدء العمل مع صلاة المغرب ولا يطفئ المولد إلا بعد صلاة الفجر.. كان يفطر مع أبناء القرية المسلمين وكنا ونحن صغار نخرج إلى شاطئ الترعة لنذاكر تحت أشجار التوت وأغلبنا كان يبدأ يومه بصلاة الفجر فى مصلية على شاطئ الترعة كان يطلق عليها مصلية القبطى نسبة إلى خفير مزلقان مسيحى أقامها ليصلى فيها الفلاحون، وكان حريصًا على فرشها وصيانتها، وظلت حتى الآن تحمل اسمه هى ومزلقان القطار.

لم يكن هذين النموذجين هما أول من التقيت فى حياتى، بل كان ميلاد أغلب أبناء عائلتى على يد د.عطا الله وزوجته د. بلانش، وهما الطبيبان الوحيدان المسموح لهما بدخول منازل العائلة فى ذلك الوقت، واستمرت علاقتى مع الأخوة المسيحيين فتعلمت الإنجليزية على يد أستاذى الراحل الأستاذ ملاك ميخائيل، وعملت مع أصدقاء كثيرين "المهندس ميشيل وفنان الأغلفة مراد نسيم والراحلة زيزة زخارى والصديق د. عصام عبد الله أستاذ فلسفة الجمال" وكلهم صاموا معنا رمضان وتشاركنا الأعياد واقتسمنا الأحزان.

مصر المسجد والكنيسة.. الآذان والأجراس لم ولن يفرق بين أبنائها إرهاب ولا مؤامرات.. أزمات وتمر.. وخلافات بسيطة وتنتهى ويطويها الزمان.. وتظل مصر.. شهداؤها مسيحيين ومسلمين.. الذين حرروا سيناء ولم يفرق بينهم دين.. والذين استشهدوا كانوا مسيحيين ومسلمين والذين يبنون مصر الآن مسيحيين ومسلمين.

لن يفرقنا عدو ولا حاقد، وستمتلئ منازل المسيحيين بآلاف المسلمين رغم أنف برهامى، وستظل مصر دائمة واحة الأمن والأمان.. عام جديد تبدأه مصر يدا واحدة بكل الأمل فى الغد المشرق.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز