البث المباشر الراديو 9090
إيرينى ثابت
للمرة الثانية أكتب عما يسمى "Comfort Zone" أو منطقة الراحة.. وهى تلك المنطقة الافتراضية التى تجعل الشخص آمنًا مستريحًا.. وكثيرون لا يحبون الخروج منها.

هناك من الناس من يقنع بمنطقة راحته ولا يرغب فى الخروج منها، وعلى النقيض بعض الناس لا يحبون البقاء كثيرًا فى منطقة الراحة ويطمحون للمغامرة ولخوض مناطق الخطر.. يبدو أن لهذا وذاك أسبابًا، مركبة ومتنوعة.

أول تلك الأسباب هى التركيبة الشخصية لكل منا.. فبعضنا أكثر طموحا وبعضنا الآخر أكثر رضى وقناعة بما يمتلكه وما يعيش فيه.. وغالبًا يرى فريق الطامحين أن فريق القانعين هم فى الحقيقة خانعون.. ويرى فريق القانعين أن الطامحين طماعون.. بغض النظر عن تلك المعضلة، نجد الطامحين أكثر استعدادًا للخروج من منطقة الراحة وقبول التحديات والإقبال على تجربة ما هو جديد بهدف الترقى فى العمل أو توسيع دائرة المعارف والأصدقاء أو التنمية الذاتية.. فالطامح يترك عمله الآمن المستقر والذى يمثل منطقة راحة وظيفية بالنسبة له ليجرب عملًا آخر ربما يكون أكبر دخلًا أو أعلى مركزًا بما قد يحمله العمل الجديد من ضغوط عليه ومن تحديات بناء علاقات جديدة والتعود على اعباء عمل جديدة.

والسبب الثانى فى خوض مناطق الخطر أو الالتجاء إلى منطقة الراحة هو المرحلة العمرية للإنسان.. فغالبًا يميل الأصغر سنًا للخروج من منطقة الراحة لأنه أولًا ربما لم تتكون عنده بعد كالطفل الصغير الشغوف باكتشاف الأشياء وخوض كل مناطق الخطورة، أو لأنه لم يعتد البقاء فيها فكبير العمر الذى اعتاد لعقود على مناطق راحة معينة يصعب عليه أن يتركها.. ومن الأمثلة شديدة الوضوح لهذا الأمر أنه حينما يتأخر شخص ما فى الارتباط والزواج وتتأصل لديه منطقة راحته الشخصية دونما رفيق حياة يتباعد شيئًا فشيئًا عن اتخاذ قرار الارتباط وينأى بنفسه عن ارتياد منطقة الحياة المشتركة وتكوين أسرة بمتطلبات تلك الحياة التى قد ينظر هو أو هى إليها على أنها منطقة تحديات وخطورة والأصلح أن يبقى الانسان فى منطقة راحته.

السبب الثالث هو سبب يجمع ما سبق.. ألا وهو اختلاف مجالات ومناطق الراحة عند كل منا.. واختلاف استعداد كل منا بشخصيته ومرحلة عمره للخروج من تلك المنطقة أو البقاء فيها.. فقد أكون أنا مثلًا ممن لا يطمحون عمليا فى وظيفة أعظم أو دخل أكبر وبالتالى أقبع فى منطقة الراحة الوظيفية لدىّ.. بينما لا أجد أية صعوبة فى قبول تحديات النمو الشخصى مثل أن أتحدث أمام جمهور.. أو أذهب فى خدمة تطوعية فى مجال لا أعرفه.

أعرف شخصا لا يمكن أن يخرج من دائرة أصدقائه مهما حدث، وهو فى الوقت ذاته يخرج من دائرة الفكر التقليدى ويسعى للتغيير ولقلب منطقة الراحة الفكرية والتقليدية لكل مَن حوله!! وأعرف شخصية أخرى تحب الخروج من منطقة الراحة الاجتماعية بالرغم من أن صداقاتها جيدة وأصدقاؤها ممتازون، ولكنها تتوق دوما لتحدى تكوين صداقات جديدة حتى ولو كانت صداقات عابرة كنت دائمًا أراها فى غاية الغرابة.

أعود لما كتبته فى مقالى السابق عن توسيع منطقة الراحة بدلًا من الخروج منها.. وأرى أن هؤلاء الذين يتمسكون بمناطق الراحة مثلى عليهم أن يجعلونها أكبر قليلًا.. فبدلًا من أن تترك صديقك القديم اكسب صديقًا جديدًا مع البقاء فى صداقاتك القديمة.. واقبل تحديات التنمية الذاتية فقط بما يتفق مع إمكانياتك.. والأهم هو أن تعيد تقييم منطقة راحتك من وقت لأخر فإذا وجدت ما يلزم إصلاحه أو التخلص منه، فلتصلحه أو تتخلص منه فورًا.. ولا تبالى بما اعتدت عليه.. ولا تفضّل الراحة على صلاح الأمور.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز