إيرينى ثابت
هجم علينا الشتاء هذا العام ببرودة فوق العادة وبأمطار تزيد فى حدتها وشدتها عن الأعوام السابقة مما أظهر أصوات الصيفيين وجعل لهم مبررًا لسن ألسنتهم وأقلامهم لشتم الشتاء.. صحيح أن النكات مضحكة والقفشات تتميز بخفة الدم ولكن الأمر لا يتحدد بالنكات والسخرية.. أليس كذلك؟
إذا قمت ببحث سريع على جوجل مثلا وكتبت بالإنجليزية "الشتاء ضد الصيف" ستجد أن الجدال نفسه قائم بين الناس فى تلك البلاد التى يصل فيها الجليد إلى أكثر من نصف متر فى الشوارع.. والعجيب أن صيفهم الذى لا يعتبر حار بالنسبة لنا على الإطلاق، ولا يستمر لشهور عدة بجوه الحار جدا مثلنا، هذا الفصل الذى لا يرون الشمس إلا فيه، لا يجد عندهم شعبية مثل الشتاء القارص البرودة!
والعجيب أيضا أنهم يسوقون الأدلة ذاتها والأسباب نفسها التى يقولها المدافعون عن الشتاء والمدافعون عن الصيف عندنا! الملابس الشتوية أفضل.. الحر لا علاج له والعرق والرطوبة سيئة.. إجازات الشتاء أفضل من إجازات الصيف.. الشتاء يحمل النظافة والصيف يحمل الحشرات.. إلى آخر ذلك من العلل والأسباب.
ولكن ما وراء جدال الشتاء والصيف هو ما يهمني كثيرًا.. فنحن فى بلادنا شعوب ناسية.. لا تمتلك ذاكرة ولا حتى على المدى القصير.. ننسى ما كان من تعذيب بمجرد أن يهل فصل جديد.. ونبدأ فى لوم وشتم الفصل الجديد وكأن ما حدث لنا فى الفصل الذى سبقه مباشرة لم يكن، ولكأنه انمحى من ذاكرتنا الضعيفة جدًا.
ولنا فيما ذكرت أمثلة عديدة على المستوى السياسى والاقتصادى والأمنى، وقطعا الفصلى.. ننظر إلى بعض مساوئ المرحلة التى نعيش فيها وننسى تماما بؤس وفقر ومصيبة ما كنا فيه.. تمامًا كما ينظرون الآن برودة الجو متناسين حر الصيف القائظ وأجهزة التكييف الدائرة ليل نهار وفواتير الكهرباء واستحالة السير فى الشارع وكم الحشرات من ذباب لنمل لناموس لغير ذلك.. وانعدام أى منظر جمالى وبالأكثر فى بلادنا التى لا نهتم فيها بالنظافة ولا يسمح جوها المترب بشجر تظهر خضرته أو واجهة مبنى يظهر لونها الحقيقى إلى أن يحل الشتاء فيغسل مطره شوارعنا وقمم أشجارنا ومبانينا.. ويطهر برده بلادنا من الحشرات والقوارض.
صحيح أن الشتاء يقرصنا ببرده وصحيح أننا كما تقول النكتة: نجوع فيه ونحن ما زلنا نأكل، ولكننا فى الصيف أيضا نتعرق ونحن ما زلنا نستحم! وصحيح أن الشتاء يصبنا بالبرد وأدوار الإنفلونزا، ولكن الصيف يتعب جهازنا الهضمى وتأتى معه أمراض المعدة والأمعاء والأسوأ منها أنه يحمل لنا أمراض العيون وأنواع الرمد فتتعب عيوننا وتتوجع بصيرتنا.
فى الأدب الإنجليزى – وربما فى كثير من الثقافات يعتبرون فصول العام رموزا لكثير من الأشياء وعلى رأسها دورة الحياة.. فينظرون للربيع على أنه رمز الشباب والحياة والثوران والفوران فى النباتات والطبيعة والزهور والألوان وتغاريد الطيور.. وينظرون للصيف على أنه مرحلة النضج وهدوء ثورة الربيع بقسوة الصيف وحره كما يهدأ الانسان بضغط الحياة والعمل والمسئوليات عليه فى منتصف العمر.. ويليه الخريف الذى يُعرف بالوصول للشيخوخة وخريف العمر كما يقولون.. تسقط فيه أوراق الأشجار كما يهرم الانسان.. وتتعرى فيه الطبيعة من زينتها الملونة لتظهر أصولها كما أصل الاشجار وفروعها لا أوراقها الملونة.. تماما كالإنسان الذى تظهر فيه ذاته الأصيلة وروحه الحقيقية دون رتوش.
ثم يأتى الشتاء.. والبداية هى الشتاء.. فهو فصل البدايات، فصل الموت والميلاد.. يندفن القديم ويبدأ الجديد.. تموت النباتات القديمة وتندفن بذارها لتولد من جديد.. ينتهى فيه عام مضى ويبدأ فيه عام يولد.. هو فصل التطهر من كل ما هو قديم ومتهالك والبداية الجديدة التى تعطى الأمل.. فى الشتاء ننتظر الربيع كطفل وليد صغير ننتظر أن يعبر إلى مرحلة الشباب.. أما الصيف فماذا ينتظر؟ ومن يريد أن يحل خريفه؟
أعلم أن الجدال لن ينتهى.. وهو جدال غني مضحك مثمر لا غبار عليه.. وسيظل محبو الصيف ينتفضون من برد الشتاء الذى لا يقوون على احتماله.. ويبقى محبو الشتاء منزعجين من سخافة الحر ومعاكسة لفحاته الحارة.. يقولون: لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع.. وأقول: ولولا اختلاف الفصول لثارت الأنفس والأجساد.. التنوع والتقلب والتغيير حياة!