البث المباشر الراديو 9090
أحمد سليم
خمسون عاما هى عمر معرض القاهرة الدولى للكتاب منذ أن أصدر الدكتور ثروت عكاشة قرارا بافتتاحه وكلف الدكتور سمير، رئيس هيئة الكتاب فى ذلك الوقت بتنفيذه، ومنذ 1969 والقاهرة تشهد فى النصف الأخير من يناير والأولى من فبراير كل عام أهم حدث ثقافى عربى.

جئت إلى المعرض زائرا ضمن مجموعة من طلاب كلية الآداب بطنطا فى نهاية السبعينات، جئنا بعد أن ادخرنا جنيهات قليلة لكنها كانت كافية لنعود بمجموعة مهمة من الكتب والدوريات وبعدها تحولت زيارة المعرض إلى طقس سنوى نستعد له كل عام، مرت السنوات سريعة لألتحق بالعمل بوزارة الثقافة ولأبدأ عملى مع الدكتور سمير سرحان –رحمه الله– وصديقى وأستاذى صلاح المعداوى، فى معرض القاهرة الدولى للكتاب عام 89، كان المعرض قد انتقل إلى أرض المعارض وكان العام الثانى لفاروق حسنى فى وزارة الثقافة والثالث للدكتور سمير سرحان، وكانت بداية تجربة تحويل معرض الكتاب من مجرد سوق للكتاب إلى معرض للكتاب ومعرض دولى يدخل ضمن التقييم الدولى فى المعارض.

عشت 15 عاما من حياتى العملية فى معرض الكتاب ما بين الإعداد والتنفيذ والإشراف.. عرفنا من خلاله أهم المثقفين العرب والمصريين بالطبع وتكونت لدى قناعة تامة بأن أهم أسلحة مصر الناعمة هى الثقافة ورأس الحرية فيها الكتاب.. زرت معارض دولية وعربية لكن معرض القاهرة ظل محتفظا ليس لدى فقط ولكن لدى كثير من المثفين العرب والأجانب ظل محتفظا بطعم مختلف.. كانت جلسات المقهى الثقافى مع حسن سرور داخل المخيم أو فى المقهى الملاحق له تشهد كل يوم مولد نجم جديد بزغ بعد ذلك فى سماء الثقافة.. وفى لقاءات المعرض الفكرية التى كان يديرها كبار المثقفين، وكان الدكتور سمير سرحان يحرص أيضا على الدفع بالشباب لإدارتها وكان لى فيها نصيب من الإدارة، وجلست بجوار الدكتور أسامة الباز ومحمود السعدنى وجلال الشرقاوى.. فى هذه اللقاءات الفكرية والمناظرات كان زوار المعرض فى لقاء حقيقى مفتوح بدون مصادرة لمشاركة أو حجر على رأى مع كبار الضيوف بدءا من الإمام الأكبر الشيخ سيد طنطاوى والبابا شنودة بابا الإسكندرية.. وشارك فى اللقاءات كل المفكرين العرب والمصريين، وأعاد المعرض الشاعر احمد فؤاد نجم إلى اللقاءات الجماهيرية وكم من المداولات كانت تدور بين المسؤولين وبين الدكتور سمير سرحان حول السماح لمفكر عربى او مصرى معارض للحضور.. وكان لكل دورة حدث مهم أو ضيف يحضر لأول مرة أو مولد نجم جديد فى الثقافة أو السياسة.

حضرت أول لقاء لجمال مبارك فى بداية تقديمه للشباب بعد عودته من لندن، وأدار اللقاء الدكتور سمير سرحان والدكتور عبد المنعم عمارة والدكتور زكريا عزمى، وجرى فى اللقاء تقديمه كنموذج للشباب المصرى الناجح أو نموذج لشباب المستقبل.. وحرص بعدها على اللقاء السنوى لتأكده من قدرة اللقاء على صنع التفاعل مع الشباب.

وشهدت العديد من المناظرات لعل أهمها ندوة فرج فودة الشهيرة والتى واجه فيها الدكتور محمد عمارة والشيخ محمد الغزالى.. كانت مناظرة حول الدولة المدنية والدينية وأذكر يومها أن توجيها جاء بتعديل موعد الندوة من الساعة الثانية عشر إلى العاشرة صباحا، وأيقظنى الزملاء مبكرا لأذهب إلى المعرض فأرى طوابير من المئات من شباب الإخوان تكاد تحاصر المعرض وتحيط بالقاعة لتنتهى الندوة وتصدر الجماعات بعدها حكمها بضرورة التخلص من فرج فودة.. شهدت عودة أحمد فؤاد نجم اللقاء الجماهيرى ومن هجوم نجم إلى أول لقاء لساويرس فى نفس الندوة التى استطاع فيها الدكتور سمير سرحان أن يجمع بين الضيفين لتنتهى الندوة بإعلان ساويرس عن تخصيص جائزة للمثقفين باسم أحمد فؤاد نجم.

حضرت ليال شعرية للأبنودى ولنزار وفاروق شوشة، وشهدت أمسيات الشعر التى كان يدير أغلبها الشعراء الراحلون محمد أبو دومة وعمر نجم.. فى معرض الكتاب تعرفت على ثقافات العالم، وعشنا دهاليز سوق النشر بكل أسراره، وشهدت بزوغ نجم الكتاب الدينى وتربعه على عرش الكتب سنوات كثيرة.. وشهدت العديد من المظاهرات للمثقفين والتى كانت تجرى تحت حراسة شرطية.

وفى الوقت الذى كان المعرض يحقق مبيعات وصلت إلى الأربعين مليون جنيه فى عام 2004 كانت الندوات أيضا تحقق نجاحا كبيرا، حيث وصل عدد المشاركين فى آخر دورات المعرض عام 2004 إلى مائة ضيف يوميا موزعين على 11 موقع نشاط يقام بكل موقع ثلاث فعاليات يوميا.. كل هذا الزخم الثقافى وضع معرض القاهرة الدولى للكتاب فى المرتبة الثانية عالميا بعد معرض فرانكفورت.

وبعد أيام تشهد القاهرة مرحلة جديدة فى حياة معرض الكتاب حيث يبدأ دورته الواحدة والخمسين فى مكان جديد وبفريق عمل متكامل ورؤية جديدة ومع وزيرة فنانة ومدير مثقف وزملاء من جيل, وإن كان بينهم كثيرين ممن تزاملنا فى دورات المعرض السابقة.. أمل جديد أن يستعيد معرض القاهرة موقعه مرة أخرى وكما عادت مصر إلى موقعها بعد مؤامرة يناير نأمل أن تبدأ معركة إعادة الوعى وبناء الإنسان المصرى فكريا من دورة معرض الكتاب هذا العام.. الرئيس السيسى يولى الثقافة اهتماما خاصا ويؤمن بأن العلم والمعرفة هى الباب للمستقبل وأعتقد أن القادم فى المسيرة الثقافية المصرية سيكون الأفضل وكما قدم المعرض عشرات النجوم من المثقفين كانت بداياتهم في ندواته وأمسياته ستقدم هذه الدورة الجديد أيضا ولعل التنظيم الجديد لسوق الكتاب يعطى الفرصة للزائر كى يختار بعناية والاختيارات لموضوعات الندوات مبشرة بموسم ثقافى وفكرى مهم.

الاحتفال الذهبى لمعرض الكتاب يستحق المشاركة الشعبية الكبيرة، ويستحق الاهتمام الحكومى الأكثر، ويستحق منا جميعا أن نعمل لاستعادة أحد أذرع قوتنا الناعمة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز