إيرينى ثابت
هناك من لا يحبون هذا المثل، ويعدونه من مظاهر الجُبن أو السلبية، ولكنه فى الحقيقة ينتمى لمفاهيم ربما لا ينتبه لها البعض فى الوقت الراهن، لأنها تدعو إلى التعقل والتواضع وحسابات القوة قبل العنجهية والكِبر والعند.
أولاً: اسمع ما يقوله الطرف الآخر فقد يكون جزء منه صواب.. فأنت حين تسمع تعطى فرصة التفاهم وتمتص غضب الطرف الآخر وتتيح له فرصة التعبير عن نفسه فتهدأ عواصف الاختلاف.. كما أن الاستماع الحقيقى لوجهة النظر الأخرى قد يجعل وجهة نظرك أنت أقل قوة وبالتالى تصير مستعدًا للتفاوض بدلاً من موقفك العنيف الرافض للآخر.
ماذا إن لم تقم بهذه الخطوة البسيطة التى لن تكلفك شيئًا؟ ستفرض على نفسك موقفًا مسبقًا برفض الآخر تمامًا ولن تستطيع التراجع فى موقفك هذا أبدًا وستضطر لإكمال المشوار وأنت متشنج ومتصلف وواقف بعِند فى مواجهة أى رياح.. لأنه ليس موافقا لكرامتك أن ترفض فى البداية ثم تقبل أو تخضع بعد فوات الأوان!
هل معنى هذا أن تتنازل وتخضع للطرف الآخر بكل بساطة؟ قطعًا لا.. لأنه قد يكون على خطأ هو الآخر.. وهنا تأتى ثانيًا: عندما يهدأ الطرفان بعد أن يستمعا جيدًا لبعضهما البعض، تبدأ مرحلة التفاوض وبتعبير آخر الـ "compromise".. فى التفاوض نتفق ونختلف ونصل إلى حلول وسط ترضى جميع الأطراف، وتنقص قليلاً من مطالب كل الأطراف، وتضمن عدم انكسار طرف فى مقابل الآخر.
ثالثا: احسب حسابات القوة.. إذا كنت أنت الطرف الأقوى وكان الطرف الآخر عنيدا ولا يقبل التنازل، قم بالضغط عليه واستخدم سلطانك دون أن تكسره.. إياك أن تهدم مصلحته معك.. فلو قضيت على مصالحه عندك سوف لا يبقى لديه ما يخسره وعندئذ سيقاتلك بضراوة.. أما إذا كنت أنت الطرف الأقل سلطة فانحنى أكثر قليلاً، واترك رياح السلطة تعبر فوقك، ولا تعاند، ولا تتصلف.. عندئذ ستهدأ العاصفة وستقوم أنت سليمًا وتقف صحيحًا دون خسائر.. وتستطيع أن تبدأ مشوارًا جديدًا تحصد فيه بعضًا من منافع.
متى تمتنع عن التفاوض؟ فى حالات ثلاث لا تفاوض وقاوم واثبت..
فى حالة القيم والعقيدة لا تفاوض ولا على حياتك.. قدم نفسك مثل كل الشهداء الأقوياء فلا تفاوض على الإيمان.
فى حقوق البلاد والعباد والمجتمعات والأسرة لا تفاوض ولا على مال ولا أرض.. فمن له الحق له القانون.. ولا تنازل فى الحقوق.
لا تفاوض المجرمين ولا الإرهابيين ولا تتنازل لهم أبدا ولا تخضع لمطالبهم ولا ابتزازهم.. ومهما كانت خسائرك الحالية، أنت سوف تكسب على المدى البعيد بالقضاء عليهم لا بمصالحتهم.
كل عاقل يقبل الحلول الوسط فلا عيب فيها.. التفاوض فن.. والدبلوماسية عِلم.. وللاتفاق والوفاق أصول تدرّس، وتضمن مصالح الجميع.. أما التصلف فيولّد عندًا.. والعند يورث كفرًا.. والكبرياء نهايتها الكسر.. وتشامخ النفس يؤدى إلى السقوط والانهيار..