البث المباشر الراديو 9090
إيرينى ثابت
إنه الرئيس الفرنسى ماكرون الذى زار الكاتدرائية المرقسية بالعباسية والكنيسة البطرسية حيث آثار التفجير المتبقية بعد التجديد وكتعبير عن المشاركة القلبية ربت بيده على ذراع البابا.

تابعت زيارة ماكرون إلى مصر عامة وإلى الكاتدرائية المرقسية بشكل خاص، فقد ساعدنى الوقت لأتابع على الهواء تلك الزيارة الصباحية للكاتدرائية، ومتابعة البث الحى تمنحك فرصا قد لا تمنحك إياها التقارير المسجلة.

أعجبتنى كثيرًا زيارة ماكرون للكنيسة البطرسية بعد زيارته للكاتدرائية الكبيرة القديمة الجديدة، إذ تكتمل الصورة التى نود أن نعلنها للعالم بشكل واقعى فى هاتين الزيارتين المتتابعتين، رأى ماكرون حجم الكاتدرائية ووجودها فى قلب القاهرة بشموخها وجمالها مما يعكس التواجد المسيحى المصرى المستقر، ثم رأى الكنيسة البطرسية التى تم تجديدها رغم الإرهاب الذى طالها، وهو ما يجسد الوجود المسيحى المصرى رغم أنف الإرهاب والإرهابيين.

وضع يمينه على آثار التفجير الباقية فى العمود الضخم بالكنيسة واستدار بعدها وعلى وجهه علامات التعاطف والشفقة ثم وضع يده على ساعد البابا تواضروس بنوع من إظهار هذا التعاطف، هل يعلم ماكرون أنه إنما يتلمس الوجود القبطى المسيحى فى مصر من خلال هاتين اللمستين؟ فلم يسقط العمود من التفجير، ولم تنتهى المسيحية فى مصر بأعمال الإرهاب المتوالية، ولا بالكراهية طوال تاريخها، ولم تفزع التفجيرات، ولا الإرهاب الدينى، أيا من بطاركة الكنيسة القبطية، ولا اهتزت سواعدهم، سواعدنا قوية، وانتماؤنا الوطنى عميق، ووجودنا ثابت، والتعاطف مقبول، ومشكور، ومحمود، ولكن الموقف القبطى كان وما يزال وطنيا خالصًا تاريخًا وحاضرًا.

أيضا هل انتبه ماكرون إلى أننا نمتلك عقولًا كما نمتلك قلوبًا؟ أم أنه ينظر إلينا كما نظر إلينا المستشرقون ظانين بعلياء أننا نتبع قلوبنا فقط؟ ومتناسين أنه كما لشعوب الشرق إيمان وقلب، لها أيضًا حكمة وعقل تأسست على خبرات من تاريخ طويل، وحضارات متتابعة، واستعمار قاس، وحروب طاحنة، وظلم، ودكتاتورية حكام طغاة، جعلت منا هنا فى مصر مثلًا، وعلى مر العصور، رافضين لأى بلبلة خارجية مهما بلغت اختلافاتنا الداخلية التى لا ننكرها، ولكننا لا نجعلها تفلت بنا إلى الانقسام.

أعلم أن للسياسة أجندة محفوظة تعتمد على المصالح.. على المصالح فقط، وهى فلسفة براجماتية لا يعترض عليها بلد لأنها – على خلاف الأخلاقيات الفردية – تضمن للدول مصالحها ولشعوبها غاياتها، ولذا يخدم الإعلام العالمى تلك المصالح حسب انتماءاته البراجماتية أيضًا، لذا لم أندهش حين طالعت عناوين المتابعات العالمية لزيارة ماكرون لمصر فوجدتها جميعا دون استثناء عن حديث ماكرون على ملف حقوق الإنسان فى مصر!

ولكن يبقى لتلك الزيارات ما تتركه فى الضيف الكبير من مشاعر وأفكار حتى لو لم يصرح بها فى مدة خدمته الوظيفية، كما تترك بصمات على الوفود التى ترافقه والتى قد تحوى عددا من المفكرين الأحرار أصحاب الأقلام الصادقة.. لذا يصير اختيار الأماكن التى سيزورها الرئيس الضيف ومن معه، والأشخاص الذين سيلتقى بهم، والتصريحات التى سيسمعها، وإجابات الأسئلة والتساؤلات التى سيستفسر عنها محل دراسة مسبقة وإعداد جيد.

ويصير لزاما علينا فى كل مرحلة من مراحل الزيارة اختيار الأماكن التى تنقش فى النفوس رسالتنا للعالم كما تم فى زيارة ماكرون من تنوع بين معالم الحضارة والحداثة، والثقافية والدينية والتاريخية والمعاصرة، ولأن الانطباعات الإنسانية ربما تكون أكثر أهمية ينبغى أن نراعى تقديم نماذج بشرية مصرية رفيعة المستوى تستطيع أن تتحدث مع الضيف بلغته، وتنقل إليه ثقافتنا بأسلوب يفهمه شخصيات مؤثرة ومتنوعة أيضا لتعكس الثراء الحضارى والآفاق الثقافية المتسعة التى نمتلكها من البشر رغم ضعف الإمكانيات.

نعم أعجبنى تنظيم زيارة ماكرون، فبالرغم من عناوين الأخبار العالمية، استطاع الرئيس أن يوضح موقف مصر بشجاعة وصراحة، وبالرغم من تعاطف ماكرون على حادث البطرسية الذى مر عليه أكثر من سنتين، ما تزال سواعدنا القوية وعقولنا الحكيمة وانتماءنا لوطننا تعزز وحدة مصر.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز