البث المباشر الراديو 9090
أحمد سليم
عندما كنت انتهى من عملى كل خميس وعلى مدى سنوات طوال منذ الثمانينات وحتى عام 2013، كانت وجهتى الوحيدة هى قريتى بمحافظة الغربية .. كانت علاقتى تنتهى بالقاهرة وأحيانا بمن فيها عندما يحين موعد سفرى الأسبوعى أحيانا مع أسرتى الصغيرة وأحيانا كثيرة دونها.

كان الطريق الزراعى يستغرق حوالى الساعة والنصف، سواء عبر ركوب قطار أو سيارة أو أيا كانت ظروف المواصلات أو السفر، فهو سفر مقدس بالنسبة لى ومن المؤكد أيضا لمئات آخرين كانت أمهاتهم تعيش بالقرية .. طريق السفر مهما طال أو صعب لم يكن ذلك مهما فالأهم أن هناك جائزة تنتظرك فور وصولك. 

كان لأمى طقوس ثابتة وهى الانتظار، مساء الخميس، حتى وصولى والتأكد من تفاصيل كثيرة .. كيف حالى وحال أسرتى وحتى أحوال الدولة كنت أحد مصادرها المهمة التى تسألها عن أحوال الدولة، أذكر قلقها يوم مات السادات وأذكر رعبها علينا أثناء أحداث يناير.. أذكر مدى كرهها للجماعات المتطرفة، والتى كانت دائما تتهمهم بأنهم كفار.

خبز أمى وشاى الصباح والإفطار الذى لابد وأن يتضمن مواد غذائية متكاملة.. جلسة الحديقة صباحا والحكى مساءً .. طعم الغذاء الذى لا تستطيع الحصول عليه إلا من يد أمك.. ساعات النوم المريحة.. مطاردتها لك بالغطاء وفى أى مكان وحرصها على هدوء المنزل طالما أنت نائم.. أحيانا كنت أضحك من غيرة الأب من اهتمامها بأبنائها.. لم أكن ابنها الوحيد ولكنى أزعم أننى نلت الاهتمام الأكبر ربما لأننى الطفل الأول الذى عاش لها بعد وفاة طفلها الأول وهو رضيع ومنحتنى اسمه. 

كنت أرى فى ملامح أمى سيدة أخرى لا تشبه السيدات.. إحساس الاختلاف لدى الأبناء بأن أمهم هى الأفضل إحساس يشاركنى فيه الكثيرون.

ظلت رحلتى الأسبوعية إلى أمى حاملا همى أحيانا أخرى وأخبارى السعيدة أحيانا عائدًا من عندها محملا بخيرات القرية، وأيضا محملا براحة نفسية وهدوء يعيننى على صخب القاهرة والأهم محاط بدعواتها التى كانت ومازالت هى السبب الأهم عندى لما حققته من نجاح.. أتذكر أيام الجندية منعت إعداد أى طعام أحبه إلا عندما أحضر وتعلمت منها بناتها ذلك فالأيام الأحلى هى عند عودة الابن إلى منزل أمه.

لم تكن تعرف النوم الجيد إلا عندما أصل إلى المنزل وتظل تطاردنى بتليفوناتها حتى أصل إلى منزلى بالقاهرة.. اهتمامها بى امتد إلى أحفادها.. فلم تكن تنادى ابنتى إلا بالحبيبة وتنادى ابنى بالغالى ابن الغالى.. وظل منزل أمى هو مملكتها طوال حياتها لم تخرج منها إلا أياما معدودة إما لواجب عزاء أو زيارة مريض وحاولت إغراءها كثيرا أن تأتى إلى القاهرة تقيم معى ولو أياما كانت ترفض وعندما حضرت لزيارتى مرة وحيدة قالت إنكم تعيشون مع الجيران وأن الجار يستطيع أن يسمع حوار جاره فى حجرة نومه.. وأن الراحة فى القرية.. ومنذ خرجت من قريتها شبرا النملة – مركز طنطا إلى قرية زوجها شبرا قاص بمركز السنطة.. أصبح منزلها الجديد هو المملكة الوحيدة لها.

أذكر استعدادات الأعياد والمناسبات الدينية وإفطار رمضان وسحوره.. أذكر فرحتها يوم أديت فريضة الحج ورغبتها فى أدائها لولا مرضها ووصيتها بالحج وسعادتى بتحقيقها.. سنوات مرت على فراق أمى وما زالت دعواتها ربنا يحبب فيك خلقه.. ربنا يجبر بخاطرك.. دعوات على الفطرة لكنها مازالت هى الراعية والمحققة لما يحدث معى.  

وتوقفت رحلتى الأسبوعية وتحولت إلى رحلة شهرية أو كل شهرين أحيانا.. تباعدت المسافات بينى وبين قريتى.. ولكن مازال طعم خبز أمى فى فمى.. وأحس لمسات يديها فوق رأسى.. وصوتها يملأ أذنى وأنا أغادر قريتى بعد زيارة قبرها كل مرة.. أحس بأنها لن تنام إلا عندما أصل إلى منزلى.. واطمئنها ها أنا قد عدت يا سيدتى.. لا تقلقى فالابن الصغير كبر وغلبته السنون وورث عنك القلق على أسرته الصغيرة.. الابن الصغير يا أمى أصبح جدا وله أحفاد يفرح بهم ويحكى لهم عنك ويوقظهم مبكرين فى مناسبات عديدة.. أحاول أن أقلدك فى دعواتك وحرصك وحبك لأبنائك وأحفادك.. السنوات التى مرت لم تستطع أن تمحو ذكرياتى معك.. ولا أن تقلل من شوقى إليك.

مازلت حتى الآن عندما يسألنى أحد إلى أين أنت مسافر فأجد نفسى أرد بتلقائية مسافر إلى أمى.. مازلت وأنا أقف أمام قبرك ووالدى.. أخاف ألا أحكى لك عن أشياء حدثت لى أو معى.. أقف مترددا أو متسائلا.. كيف أعود بدون أن أودعك أو أسألك عن شيئا تريدينه ولكن دائما ما أحس بالراحة عندما أزور قريبا أوصيتينى به أو جارة كنت تسأليننى عنها أو أقدم شيئا يسعدك.. أمى أحمل لك أخبار عديدة سوف أحكيها لك الحفيدة الحبيبة أصبحت أما.. والأحفاد الآخرون تزوجوا كما كنت تتمنين لهم.. ومازلنا عندما نجتمع قليلا.. تجمعنا ذكراك أو أمام قبرك.. تلهو بنا الحياة أو تلهينا ولكنك يا أمى تظلين فى قلوبنا كما كنت.. تختلف الرحلات والأماكن ولكن رحلتى إليك وزيارتك ستظل هى الأهم.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز