البث المباشر الراديو 9090
إيرينى ثابت
يبدو أن توفيق الحكيم، عندما اختار أن يجسد مأساة إنسان فى مسرحيته الرمزية "مصير صرصار"، إنما كان يستشرف المستقبل ولو أنه لم يكن يعلم أنها ستكون مأساة بلد كامل.

تتجسد مأساة الصراصير فى شوارعنا فى هذا الاختراع القبيح الذى يدعى "توكتوك"، والذى اغتال شوارع القرى والمدن وصار يتوغل ويتوغل وينتشر وينتشر حتى اجتاح الطرق الرئيسية والعاصمة القاهرية، وصار يتحدى المارة والسيارات حتى على أعتى الطرق السريع!!.

وبمراجعة حياة وسلوك الصراصير تجد ما يذهلك، إذ أن الصرصار من أسرع الحشرات حركة فهو يجرى بسرعة مذهلة وفى اتجاهات لا يمكن التنبوء بها مما يربك من حوله فلا تستطيع أن تلحق به لتضربه ولا حتى لتتفاداه، وما صعقنى شخصيًا هو تلك المعلومة التى تقول أن الصرصار الصغير الذى يبلغ من العمر يومًا واحدًا يستطيع أن يجرى بذات السرعة التى يجرى بها الصرصار البالغ!.

ويتميز الصرصار عن غيره من الحشرات أيضًا بأنه جرئ جدًا فهو لا يبالى بالإنسان ولا يخاف التواجد فى أى مكان، ويعترض طريقك فى الشارع وعلى سلم بيتك وأيضا داخل البيت وفى أى حجرة أو مكان به، وقد يدعو أصدقاءه الصراصير إلى بيتك وكأنه بيته، ولا يوجد قانون يحميك من الصراصير واحتلالها لمدينتك وشوارعك وأماكن تواجدك، لذا تزيد جراتها وسطوتها، وما يفزعنى شخصيًا هو أنه كما يجرى الصرصار مرتاحًا فى كل الأرجاء، يسير التوكتوك على الطرق السريعة هو وركابه يستمتعون بالأغانى بصوت مرتفع، يفرضون عليك أغنيتهم واستمتاعهم معترضين طريقك حتى تراهم ويتأكدون من استفزازك.

يعيش الصرصار 75% من حياته كسولا دون عمل، ولا يشتغل إلا حين يضطر للبحث عن طعام، هو ليس من المخلوقات النشيطة التى تحب العمل اليومى المنتظم، وهى معلومة معروفة عن الصراصير، وقد جسدتها أفلام ديزنى للرسوم المتحركة فى فيلم يجمع صرصارا كسولاً بخلية نمل نشيطة ليبين للأطفال أهمية العمل وعقوبة الكسل، وفى إطار حب الصرصار للكسل والأكل دون عناء، تعجبت أيضًا من معلومة بحثية تقول بأن الصراصير تميل للخمور والسكريات، إذ وجدوا أنها تتجمع فى الأماكن التى تجد فيها زجاجات الخمور وبخاصة لو كانت تحيط بها أطعمة تحتوى على السكر!.

أما المعلومة التى صدمتنى بحق فهى أن الصرصار لا يموت بل يظل حيًا لمدة أسبوع كامل بعد أن تنجح فى قطع رأسه وفصلها عن جسده، ولا يؤثر فى الصرصار أبدًا التخلى عن دماغه، فهو سائر ومتحرك بسرعته العادية دون دماغ!، ويوعز علماء الحشرات تلك الظاهرة إلى عدم احتياج الصرصار لدماغه فى عملية التنفس إذ يتنفس عن طريق جسده، أما فى حالة التوكتوك فلا يوجد احتياج للدماغ لأن صفة التفكير تنتفى تمامًا، ولا داعى لها فى عملية قيادة التوكتوك، بل تعتمد القيادة بشكل كامل على العضلات والفتونة الجسدية دون داع للدماغ.

فى مسرحية (مصير صرصار) لم تستطع مملكة الصراصير العشوائية أن تنتصر على ممسحة الخادمة فى بيت عادل وسامية، أما الآن.. وبعد نصف قرن من الزمان، فقد اجتاحت مملكة الصراصير كل شارع وطريق، وهزمت صراصير الأسفلت الإنسان.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز