البث المباشر الراديو 9090
إيرينى ثابت
"خجلت من الحفاوة المفرطة التى أحاطنى بها فى المطار هؤلاء البشر الذين يكنون إعجابًا دفينًا للرهبان حتى لو كانوا من الـ.......".

رواية "جحيم الراهب" للكاتب العراقى شاكر نورى، صدرت 2014، ولكننى لم أقرأها إلا منذ فترة قصيرة.. تدور أحداثها فى خلال عدة ساعات فقط ألا وهى رحلة الطائرة من بيروت إلى روما.. ويستدعى الراهب، الذى له خلفية عجيبة، تاريخه فى لقطات فلاش باك يجمعها القارئ ويرتبها كما يرتب قطع البازل ليكمل الصورة أو القصة ويفهم من هو الراهب، وهل جحيمه جحيم شخصى للراهب بطل الرواية؟، أم هو يحكى عن جحيم آخرين؟

والرواية لا تجيب على أى أسئلة، ولكنها تثير كل الأسئلة الوجودية والإيمانية والشخصية لدى القارئ.. ومن أفضل ما فيها إثارة ردود أفعال متباينة وأسئلة مختلفة عند قارئ عن غيره حسب خلفية القارئ نفسه وما يدور فى مخيلته من أفكار وتساؤلات.

فى الوقت الذى تثير فيه "جحيم الراهب" تساؤلات عديدة بلا إجابات، ترسخ فى الذهن الباطن عند القارئ فكرة: "بشرية كل البشر".. فلا يوجد فى مجموعة ما من البشر كالرهبان مثلا قداسة مطلقة، ولا، قطعا، شر مطلق.. إذ يحكى البطل الراوى من خلال مقاطع الفلاش باك عن شخصيات مختلفة من الرهبان فى دير الأيقونات الذى عاش هو فيه معهم.. ويصورهم كبشر لهم من السمو والصلوات الحارة والإيمان القوى ما يذهله، ولكنهم فى الوقت ذاته يعثرون أحيانا ويتكاسلون فى أحيان أخرى.

كما صور الراهب البطل الرواى بعض رهبان قديسين فى دير الأيقونات.. يتخلون عن ذواتهم فى سبيل الآخرين.. ويزهدون فى الدنيا كنساك حقيقين.. ويعيشون قلبا وقالبا مع الله فى عزلة تامة لأوقات طويلة.. يهيمون فى حب الله الذى قد عرفوه حقا وعرفوا ذواتهم فى حبه لهم وحبهم له.

وفى مشهد عجيب من الرواية يصحو الدير على جريمة.. "كان الأب شربل مطعونا بسكين فى ظهره، وممددا على الأرض مخضبا بدمائه.." وكأنما يقصد الكاتب مرة ومرات أن يرسخ فى ذهن القارئ أن هؤلاء الرهبان وغيرهم من رجال الدين بل والعلماء والمفكرين وأصحاب المقامات العالية من الزعامات الروحية والعلمية والتاريخية هم فى النهاية بشر يخطئون.. ولا توجد هالات نور حول الأحياء الذين مع أهوال العالم يتعاملون.. ومع بشر مثلهم يتحدثون ويتناقشون ويشعرون ويحزنون ويغضبون.

استحضرت فى ذهنى فرانسيس بيكون، ونظريته عن الأوهام الأربعة وبخاصة آخرها: أوهام المسرح.. وفيها يقدس الجمهور صاحب النظرية العلمية أو الروحية أو المعلم الكاريزمى أو الواعظ القوى.. وبالأكثر لو كان هذه الشخصيات تنتمى إلى مجموعة لها شكل ووضع ومكانة معينة فى المجتمع!

عدت إلى الرواية لأجد أن بطل الرواية ليس هو الراوى وحده، بل إن هناك بطلًا آخر يحكى عنه الراهب الراوى طوال الوقت.. هو رئيس ومؤسس دير الأيقونات للآباء الآشوريين الهاربين من الحرب فى بلادهم إلى هذا الدير فى جبال لبنان.. يصفه الراهب الراوى بأنه "كان رجلًا نادرًا وورعًا ونزيهًا" وبأنه أخذ على عاتقه مهمة كبرى فى الدير ألا وهى "تحرير الأرواح"!! وهو ما جعل الراهب الراوى يحب رئيس الدير ويقدره لأنه كان يؤمن أن "الله لا يريد عبيدا بل يريد أحرارًا".

فى الوقت ذاته لم ير الراهب الراوى نفسه راهبًا حقيقيًا.. إذ يقول واصفًا نفسه فى مطار بيروت وقبل استقلال الطائرة: "مست جبتى السوداء الجديدة أرض المطار.. وظهرتُ كرجل يتنكر فى جبة راهب مزيف. لم أكن راهبًا مزيفًا، ولا راهبًا حقيقيًا، لكننى أحث الخطى لأجمع بين متناقضين فى بوصلتى الروحية، وأبحث عن الطمأنينة والهدوء فى أعماق صاخبة".

تلك الرحلة من البحث عن الله تارة وعن الذات تارة أخرى عند ذلك الراهب الراوى، وتلك التساؤلات التى يثيرها عند القارئ، تنتهى جميعا بقرار الراهب قرب وصول الطائرة إلى روما باختيار قد يدهش القراء فى نهاية الرواية.. ولكن الجملة المحورية التى جاءت نسبيًا فى بداية الرواية هى ما يشير بوضوح لنهايتها: "خجلت من الحفاوة المفرطة التى أحاطنى بها فى المطار هؤلاء البشر الذين يكنون إعجابًا دفينًا للرهبان حتى لو كانوا من الفاسقين واللصوص والمجرمين والقتلة، ويتخيلون أن الراهب منزّل من السماء، وهذه لم تكن حالتى".

 

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز