إيرينى ثابت
قصة الأرنب والسلحفاة كما يعرفها الجميع هى عبارة عن سباق جرى عقدوه بين أرنب وسلحفاة، جرى الأرنب وسبق السلحفاة البطيئة، وقبيل خط النهاية بقليل قرر الأرنب أن يستريح، لأنه واثق من الفوز، نام الأرنب، وفى أثناء غفلته وصلت السلحفاة وعبرت أمامه وهو نائم على جانب الطريق، ثم عبرت خط النهاية وفازت بالسباق، لأنه لم يستطع اللحاق بها بعدما استيقظ، ويقولون أن مغزى القصة هو تعليم الطفل أن المثابرة أهم من السرعة!
ولكننى لم أتقبل أى مشهد من القصة، فلماذا يقام سباق بين واحد من أسرع الحيوانات وواحد من أبطأها؟ أى فكرة سخيفة تلك الفكرة؟ وماذا كانوا يريدون من ورائها؟ والنتيجة المحتومة بفوز الأرنب لم يكن ليقلبها أبدا أنه نام! ماذا لو لم يكن قد نام؟ وماذا لو كان قد استيقظ قبل وصول السلحفاة إلى النهاية؟ ولماذا من الأصل ينام وهو على بُعد خطوات، أو قفزات، من خط النهاية؟ ولماذا لم تسترح السلحفاة قليلا هى الأخرى؟ امممم ربما لأنها لم تتعب أصلا! تساؤلات كانت دائما تدور فى مخيلتى وأنا أنظر مقطبة الجبين مستنكرة لتلك القصة السخيفة!
ثم كبرت، وصرت أتأمل فى أسئلتى وأحلل الإجابات الفرضية، لماذا لم تسترح السلحفاة؟ لأنها أصلا لم تتعب، ولماذا لم تتعب؟ لأنها بطيئة، بالتأكيد هذه هى الإجابة الصحيحة، لأن الأرنب السريع، تعب واحتاج أن يستريح! ولماذا فازت السلحفاة على الأرنب؟ المسألة ليست مثابرة، هى كما قلنا انجاز بطئ جعلها مستريحة طوال الوقت واتمت المهمة بنجاح بل وبتفوق على أستاذ سريع متعب!
حسنا، الدرس المستفاد من القصة هو: كن متمهلا متأنيا، اعط نفسك قدرا من الراحة، استمتع مثل السلحفاة بالمناظر الطبيعية الخلابة التى تحيط بمضمار الجرى الذى هو حياتك والذى لا تستطيع إلا أن تسير فيه، كن مستمتعا لا متسرعا، تخيل لو أنك الأرنب تجرى بسرعة وكل ما تستطيع رؤيته من الطبيعة حولك، لا يتعدى ما يراه مسافر القطارات السريعة من الأشجار المتلاحقة التى لا يميز واحدة فيها من أخرى!!
وبتأمل أكثر عمقا ستجد أن بطء السلحفاة جعلها أقوى، فهى تحمل صدفتها الثقيلة التى ربما تبطئ من حركتها أكثر فأكثر، ولكنها قطعا أقوى من الأرنب الذى لا يحمل شيئا بل يقفز قفزات كبيرة خفيفة، كن سلحفاة بطيئة تكن أكثر قوة وبالأخص لو كانت أحمالك ثقيلة، لا داعى أبدا للتسرع.
والسلحفاة البطيئة أطول عمرا بكثير من الأرنب، فالأرنب لا يطول عمره غالبا عن سنتين أما السلحفاة فتعيش عادة مائة عام! وهو شئ مفهوم، فهؤلاء الذين يتحركون ببطء ولا يتعجلون شيئا ويتمتعون بما لديهم من إمكانيات مهما كانت ضعيفة ويحملون أثقالهم برضى وبأمل فى الفوز فى السباق، هم قطعا أصحاب العمر الطويل، وفى مقابلهم أشباه الأرنب الذين يتصارعون على كل سباق للفوز به، ويجرون بسرعة تكاد تخلع قلوبهم من بين ضلوعهم وينطرحون نائمين من تعب الكد والجهد، ولا يتمتعون بيوم واحد ولا بمنظر شروق ولا غروب، فهم فى العمل قبل الشروق وفى العمل إلى ما بعد الغروب، هؤلاء قطعا أعمارهم قصيرة وأجلهم قريب.
لماذا جعلوا السلحفاة تفوز بالسباق فى القصة الطفولية؟ أيا كان ما قصده المؤلف، أرى عند إعادة قراءة القصة أن نهايتها هى الشئ المنطقى الوحيد فيها، كن سلحفاة فهو أسلوب حياة، كن سلحفاة تفوز بسباق الحياة.