البث المباشر الراديو 9090
إيرينى ثابت
لا أتفق بتاتا مع مَن يقولون أن أبناء هذا الجيل من الشباب لا يقرأون، أبناء هذا الجيل وبناته يقرأون، بل ويكتبون أيضًا.

"سهر" طالبة جامعية لا تتعدى العشرين عاما أرسلت لى هذه القطعة الأدبية الفاخرة:

"حين تبلغَ الستين من العمر لن تلقى بالًا لما مضى.. ستشعر أن أمس وأول أمس "حلقات مُتصلة من القدر" تشابهت جميعها.. ستفقدَ العديد من التفاصيل، وتُمحى من ذاكرتك مئات اللحظات.. سترى بعين الكِبَر أن "سيمرُّ كلُ مُر" ستنسى وتُنسى وتَتناسى.. سيفقدُ عقلُك الكثير من الأحداث، بل ستَسلى فصولًا بأكملها.. ما سيُستثنى من ذاك الهِرَم هو الحبيبُ الأولُ والأبقى .. من وَجَلَ قلبُك له للمرةِ الأولى.. من شعرتَ بأنياطِ الفؤاد تتمزقُ لفراقِه، ووتينِ القلب ينتحبُ لرحيله.. عندما يمرُ أمام ناظريك بعد الفراق ستشعرَ برجفةِ الفؤادِ مجددًا، مهما بلغتَ من العمرِ عتيًا.. ستتمنى لو يعود بك الزمن للحظةِ الرحيل، حتى تتشبثَ به وترجُوه البقاء.. ستودَ مقايضةَ نصِف روحك فقط لضَمّه مرةً أخيرة.. عندما يبلغَ بك العمرُ أرذله، لن تتذكر ما يؤلم، لن تندم ولن تأسى.. فقط ستشتاق لذلك القابع فى أطلال الفؤاد، لذاك الراحل الباقى والغائب الحاضر، ستصبو إليه وتخالجُك أشواق العالم كافةً لذلك الحبيب الأول".

نعم هى عشرينية ولكنها بحس الكاتب المرهف استطاعت أن تصف مشهدا تخللت فيه عقل وقلب رجل فى الستين من العمر!! كيف يستطيع إنسان أن يشعر بما لم يختبره هو شخصيا بتلك الدقة العالية؟ أعتقد أن الفنانين فقط هم من يستطيعون هذا، لذا استطاعت "سهر" أن تجسد – كما قالت لى ردا على سؤالى عن مقطوعتها تلك – مشاعر تخيلتها بناء على حلم صديقتها!! حلمت صديقتها بأنها شاخت ولكنها قابلت فجأة حبيبها – غالبا الأول – وكان على الكاتبة الصغيرة أن تكتب مشهدا قصيرا ليس رواية ولا قصة وليس فيه حتى سرد!! مجرد وصف دقيق ممزوج بفكر رقيق لمشاعر ستينية!!

لا أعرف إذا كانت سهر محقة فى ما قالت عن أصحاب الستين عاما أم لا!! هل يشعرون فعلا بتلك الرجفة للقاء المحبوب؟ وهل يرون أنهم عبروا بالمر، وأن غيره وغيره سيمر؟ ولكن ما أدهشنى حقا فى هذه الفقرة القصيرة هو أسلوب "سهر" الجذاب وانتقاء مفردات غير دارجة تنم عن قاموس لغوى متسع، هذا بالإضافة لبناء سلس للجملة لا يبعد بها عن احترافية الكتابة.

التقيتها فى الجامعة وعلمت أنها من المفتونين بيوسف السباعى فجذبنى شغفها بالأديب الراحل وبأن هذا الجيل الشاب يقرأ لمن كتبوا قبل أكثر من نصف قرن، وتجاذبنا أطراف الحديث، ووعدت أن ترسل لى مما تكتب، وأوفت بالوعد بهذه القطعة التى أذهلتني!! ليست المرة الأولى التى يرسل لى فيها بعض الطلاب الموهوبين مما يكتبون، ولكنها وبحق من المرات النادرة جدا التى أزعم فيها أننى أقرأ لكاتبة حقيقية سوف يعرفها عالم القراء قريبا ولكننى سبقتهم إليها!!

فهمت أيضا من حديثها أنها تقرأ الروايات فإذا لم تعجبها النهاية، تقوم هى بكتابة نهاية أخرى!!! وإذا كتب أحد الأبطال خطابا للحبيبة، وأهمل الروائى رد الحبيبة عليه، تقوم سهر بكتابة الرد!! وهو ما ندعوه فى أدب ما بعد الحداثة بمصطلح (Metafiction) وهو ما استحدثه العالم الأدبى وصار تقنية من تقنيات كبار الروائيين فى العالم.

أهنئ "سهر" برؤيتها قبل أسلوبها، وبوعى قراءتها قبل وعى قلمها، وأهنئ نفسى بمعرفتها وقراءتها أولا، وبالتأكيد لنفسى أن ثقتى فى هذا الجيل ثقة واقعية ليست حلما كحلم صديقة سهر، ثم أخيرا أهنئ نفسى بطاقة الإيجابية التى أحاطت بى وجعلتنى أؤكد على إيمانى بأننا ما زلنا فى الجامعة نساهم ولو بقليل فى بناء العقول.

سهر: تحياتى وتقديرى..

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز