البث المباشر الراديو 9090
إيرينى ثابت
مَن هم هؤلاء الذين لم يحزنوا على احتراق الكاتدرائية؟ ولماذا لم يحزنوا؟ ولماذا فرح آخرون؟  

"إن حريق كاتدرائية نوتردام يوجع القلب، ولكن نهب فرنسا لتاريخ وتراث مستعمراتها يوجع القلب أيضا".

إيزين أخابو كاتبة هذه الكلمات ضمن مقالها على الإندبندنت هى مراسلة فى الصحيفة الشهيرة وهى نيجيرية الأصل أوروبية النشأة.. وهى ضمن نماذج مختلفة رأوا أن الحزن على حريق نوتردام إما مبالغ فيه، أو لا داعى له، أو من الجيد أنها احترقت، أو –مثل أخابو– هناك أشياء أخرى أدعى للحزن أكثر من حريق نوتردام!

شخصيًا حزنت كثيرًا وتألمت للحدث المؤسف.. ووجدت فيمن حولى وفى آخرين بعيدًا عنى ومن ثقافات مختلفة شعورًا مماثلًا لى عند البعض، وعند البعض الآخر إما عدم مبالاة، فالأمر لا يخصهم، أوسخرية ورفض للتعاطف مع الحزانى على الحريق مثل أخابو النيجيرية وأكثر!

ومن هنا بدأ بحثى عن لماذا يتعاطف البعض، ولماذا ينفر آخرون من ذلك التعاطف، وجدت أن حاخاما إسرائيليًا شهيرًا اعترض بشدة على التعاطف مع حريق نوتردام وقال إن الحريق "قد يكون عقابا إلهيًا".. ثم قرأت مقال إيزين أخابو - وهى مسيحية الديانة - وخلاصة ما قالت هو أن فرنسا قد أخذت لنفسها تراثا كبيرًا وآثارًا كثيرة من البلاد الإفريقية التى كانت قد احتلتها ووضعت تلك الآثار فى متاحفها.. ومنها متحف يبعد قليلا عن كاتدرائية نوتردام المحترقة!!

ثم نظرت على أمثلة أخرى من الحاقدين السعداء بالحريق، ومن الساخرين المتهكمين على ألم آلاف الذين بكوا على مشهد ضياع التراث واحتراق مَعلَم يجلونه ويقدسونه.. ورحت أبحث عن أسباب مشتركة.. ربما يحصر البعض قيمة الكاتدرائية فى كونها مكان عبادة يخص المسيحيين فقط.. بل وقد يختصرها البعض فى أنها مكان عبادة يخص طائفة الكاثوليك فقط.. لذا يهاجمها الحاخام الشهير ويتشفى فى الحريق الذى يترجمه على أنه عقاب إلهى!!

وربما ينظر لها البعض على إنها تراث فرنسى وتاريخ باريسى مثل أخابو التى لا تتشفى فى الحريق، ولكنها تترجمه كدرس للفرنسيين الذين ينبغى أن يحترموا تراث الآخرين كما يحترمون تراثهم!!

أما التشابه بين غير المتعاطفين فهو فى نظرى افتقاد الرؤية الجمالية المجردة!! افتقاد تقدير التراث والتاريخ كإرث إنسانى منزه عن الجنسيات وعن الاعتقادات!! افتقاد للقدرة الإنسانية على الحزن على أى نوع من الخراب والتدمير وفقدان الجمال!! وأخيرًا أراه افتقادا للتهذب الإنسانى الحضارى الذى يجعل الإنسان الأكثر رقيًا، وأكثر قدرة على الإحساس بالآخر بغض النظر عن الانتماءات والأعراق والمعتقدات!!

ويبدو أن لعلم النفس ترجمة تؤيد تلك النظرة.. فهؤلاء الذين نشأوا على تقدير الجمال منذ نعومة أظفارهم، لن يمسكوا دموعهم حين ترى عيونهم جمالًا يدمر.. بينما هؤلاء الذين تربوا فى بيئات علمتهم الكراهية، والغل، والحقد، وزرعت فيهم شعورًا بالنقص تجاه الآخر، من الطبيعى أن يضحكوا ويفرحوا لمصيبة هذا الآخر.. أما أصحاب العقول الضيقة والقلوب الضامرة فلا عجب أن يقومون بترجمة الحدث بشكل شخصى وبطريقة براجماتية بحتة يقزمون فيها الحدث ويعظمون ذواتهم ومشكلاتهم!!

عزيزتى أخابو.. أحترم تراثكِ كما أحترم تراث أجدادى، لذا أحترم أيضا تراث الباريسيين وغيرهم وأعتبر الإرث الإنسانى واحدا للعالم كله.. هذا يجعلنى أحزن على احتراق أجزاء من نوتردام.. وأفرح أن تم إنقاذ الكثير من محتوياتها وأيضا من مبناها الأصلى الذى صمد ثمانية قرون ضد كوارث طبيعية، وحروب مدمرة من صنع أغبياء البشر.. قال إيليا أبو ماضى: كن جميلا ترى الوجود جميلا.. وأتجرأ وأضيف: ولا تكن فى مشاعرك بخيلا.. واجعل حزنك جليلا.. وفرحك بالجمال إكليلا.

 

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز