إيرينى ثابت
الحب مثل كل المشاعر الإنسانية ينمو فى مناخ الحقيقة ويذبل إذا خنقه الرياء.. ما هو الرياء؟ هو التظاهر بغير ما فى القلب.. وأين يسكن؟ يسكن على سطح الوجوه.. ويتكلم بألسنة زلقة.. أما المشاعر الإنسانية الحقيقية وعلى رأسها الحب فيسكن فى القلوب، أو أعماقها إن جاز التعبير، ويتكلم بعيون صادقة، ولفتات كريمة، وأعمال متميزة.
زمان فى أيام الحب الحقيقى كانوا يقولون: الحب تضحية!، وكانوا يتغنون بهؤلاء الذين من أجل الحب تركوا أشياء ثمينة "عروشًا، وأموالا، وغيرها"، كانت مقاييس الحب كمقياس فيضان النيل، كم تعطى، وليس كم تأخذ، كانوا يعلمون أبناءهم أن الحب الحقيقى هو أن تُسعِد المحبوب، وتَسعَد بوجوده، ولكى تمنح الآخر شعورًا بالسعادة لا مانع أن تتخلى قليلًا عن راحتك لتساعده.. أو عن رفاهيتك لتمنحه وقتك وانتباهك وقبلهما قلبك.
أيام زمان كانوا يكتبون رسائل الحب الطويلة التى يعتنون بشكلها وألوان الورق المستخدم فيها وينتقون الكلمات ويتخلون عن وقت طويل يفكرون فيه كيف يبدأون الرسالة وماذا سيقولون للمحبوب، والأهم كيف تكون الرسالة متميزة لا تشبه رسائل مكررة وكلمات متهالكة، صحيح أننا فى العصر الحالى نكتب لبعضنا البعض أكثر منهم، ونكتب أكثر مما نتكلم، ولكننا نكتب دون أوراق، ولا نكتب خطابات، ولا ننتقى كلمات، فقط نقوم بـ "search" سريع لـ "post" جديد، ونرسله فى ثوان معدودة ليصل دون أن ينتظره الطرف الآخر، وفور وصوله يصير كلا شىء، فهو مجرد "copy" بدون أصل، بدون توقيع، ولا يوجد اسم المرسل إليه.
المشكلة ليست فى نوع الكتابة أو طولها أو كونها ورقية أو إلكترونية، المشكلة الحقيقية هو خلو الكلمات من المعانى، وتسطيح الحب فى مجرد كلام، واختزال معانى الحب الذى كان يعيش عمرًا كاملاً فى احتفالية يوم واحد فى العام، ليصير الحب شكلاً دون معنى، ورياءً مفضوحًا بقلوبه الحمراء الفجة ودباديبه السخيفة، ولا ينظر إليه المحبون الحقيقيون إلا بعيون الشفقة.
كانوا فى أيام زمان أيضًا وفى أفلام الأبيض والأسود ينادون بذلك الحب الذى لا يعرف الأنانية بل لا يقول المحب "أنا"، وكلما شاهدت فيلم "غزل البنات"، ستتأكد أكثر فأكثر أن ذلك الحب قد مات، فهؤلاء الذين يدعون الحب فى زمننا هذا يعتقدون أنه يمكن أن تكون أنانيًا ومتمحورًا حول ذاتك وفى الوقت ذاته تعرف الحب!، ويا للعجب!، يعتقدون أن الحب عمل أو وظيفة لها أوقاتها وشروطها وحدودها فى العطاء ولها مقابل معروف ومتفق عليه ولا بد أن "يدفعه" الطرف الآخر، وإذا أخل طرف بشروط شركة الحب، صار الطرف الآخر معفيًا بالقانون من واجبات الحب!.
والعجيب أن ذلك الحب المتكبر الأنانى، إن جازت تسميته حبًا، صار عند الآباء والأمهات تجاه أبنائهم أيضًا، إذ أن النصيحة العالمية الآن هى "نفسك أولا"، وتغير مسمى الأنانية فصارت "توازنا"، كما تغير اسم الإيثار وصار صاحبه "مغفل"، لكن اسم الحب، ما زال كما هو مع أن كل محتواه قد تغير تمامًا.
وللحب الجديد أشكالًا غير مألوفة لم يعرفها حب زمان، فالحب صار سلطويًا أى يتسلط فيه طرف على الآخر باسم الحب، وصار فى أحيان أخرى امتلاكًا، يعتقدون أن الحب يعطيهم الحق فى امتلاك المحبوب، بل وعند البعض يتحول الحب إلى تمتع بما يعطيه الآخر وما يبذله، أى صار الحب استهلاكيًا نفعيًا نبحث عمن يعطينا الحب فنستمتع بذلك الحب الممنوح لنا دون أن نمنح نحن حبنا لأحد، لأننا أصلًا لا نعرف الحب!.
لقد تم اختزال الحب فى كلمات جوفاء، لا تنطوى إلا على رياء، وعند أول منعطف أو انحناء، يحل محل الحب الكبرياء، والمحب الحقيقى يصفوه الآن بالغباء!.