أحمد سليم
محطة القرية كانت أهم محطات الحياة وأجملها، لم تلوثنا المدينة بصخبها وازعاجها.. نستيقظ صباحا أو تحديدا فجرا على صوت الراحل إسماعيل عامر أو سليم المرسى.. عذوبة الصوت القادمة من فوق مئذنة مسجد القرية الكبير.. تتسارع خطواتنا إليه أو نتخاذل تحت وطأة برد الشتاء ولكن الصوت الجميل يملأ آذاننا.. ليلة شم النسيم حليم ووردة وفايزة وفريد الأطرش، المنافسة بين قطبى الرياضة وجمهور رائع لا يحفل على الآخر ولا يشمت فيه، حليم وأغانيه الجديدة، وردة وفايزة وشجن فريد الأطرش وراديو ترانسزستور صغير.. وكوب صغير من الشاى وصحبة من الأهل والأصدقاء، وأحلام بحبيبة تجلس أيضًا فى مكان آخر تسمع نفس الأغنية.. وفى الصباح تمتلئ أوراق الكراسات المتبادلة برسائل أغانى حليم.
فى محطة القرية حفظنا أجزاء من القرآن وتفوق البعض منا وحفظوه بالكامل.. أحببنا الإنشاد والابتهال الدينى.. جلسنا مساء كل يوم الساعة الثامنة لنستمع لعبد الباسط يوم السبت، والحصرى يوم الأحد، ورفعت يوم الإثنين.. وسهرنا خميس أول الشهر مع ثومة.. حفظنا الأطلال وأمل حياتى.
فى محطة القرية سهرنا ليالى طويلة فى موالد الأولياء وأقمنا معسكرات الكشافة وتعلمنا حب الوطن من مدرسينا، وكنا نتابع خطب ناصر وبيانات حرب الاستنزاف، ونقتسم إفطار رمضان مع المهجرين من محافظات القناة.
فى محطة القرية سرنا فى الجنازات ونحن صغار نشارك فى وداع كبارنا.. تعلمنا كيف نؤدى واجب العزاء وتابعنا حفلات الزفاف وسهرنا كى نرى الغازية فى الفرح والمبتهل فى ليالى الحنة.. وفى مدرستها قرأنا أول القصص القصيرة وامتلكنا أول كتب فى مكتبتنا.. تزاملنا فى المدرسة وملعب الكرة الذى كان يستخدمه جرنا للقمح، وباقى أيام السنة يتحول إلى ملعب لكرة القدم تحده أعمدة خشب كشباك للمرمى.
فى محطة القرية سمعنا عن قصص حب وعشنا رعب العفاريت والجنية التى تنادينا من ترعة القرية والمارد الذى يحرس المقابر ويظهر عند الطاحونة.. وفيها أيضا أكلنا التوت الأحمر حتى بعد أن حذرونا أن شجرته شربت من الدماء.. وتابعنا بخوف وشغف ورعب قصة اختفاء طفل قالوا لنا أنه ذهب إلى الطاحونة فقتلوه لتبدأ الطاحونة عملها.
فى محطة القرية وقفت لأول مرة فى حياتى على خشبة المسرح فى مدرستى الصغيرة كان لدينا فريق للمسرح والموسيقى أوائل الستينيات، وكان عمدة القرية وكبار رجالاتها يدعوهم ناظر المدرسة لحضور حفل نهاية العام قبل أن تفكر المدارس الدولية بعشرات السنين فى إقامة ذلك الحفل.
فى ملعب القرية لعبنا لأول مرة بالكرة التي كنا نطلق عليها كرة كفر، تميزا لها عن الكرة الأخرى التى كنا نلعب بها وكنا نصنعها من الاسفنج وخيوط الدوبارة والكلة، وأيضا صنعنا ألعابنا بأيدينا وكانت الحاجة أم الاختراع، وعندما أهدانى والدى قطارا من البلاستيك ظللت أحرسه أياما وأعد أصدقائى بأن يروه ذات يوم.. وفيها تبادلنا الإفطار فى رمضان على المصاطب، وأمام المنازل يحمل كل منا طبقا من منزله لتكون وجبة إفطار كبيرة من أنواع مختلفة.
فى محطة القرية عشقنا السير لكيلو مترات ليلا ونحكى على شواطئ ترعة سيدى خلف، وفيها أيضا عشقنا ليالى السمر حول راكية النار وهى تنضج الذرة المستوى ليتحول بعد قليل إلى أجمل وجبة عشاء فى الهواء الطلق.. وأمامنا أكواب الشاى الساخنة فى برد الشتاء تدفئ الأيدى والقلوب البريئة.. فى محطة القرية تعلمنا الكثير واستمتعنا بالحياة البريئة الجميلة.. تصحو من نومك بطبطبة من أيدى أمك.. تفطر وهى تبادلك الابتسامة والتأكيد على أن تأكل كل ما أمامك.. تحمل كتبك فى حقيبة من القماش وحذاء نظيف وملابس انظف.. خفنا من المدرس واحترمناه.. نجحنا بدون دروس خصوصية وتعلمنا فى مدارس مجانية.. في محطة القرية.. كنا نحب.. ونتعلم.. نمتلك الأخلاق والشجاعة والقدرة على العمل في سن صغيرة وأن يكون الولد للأب سند، وكانت الابنة تضع ما تقوم به أمها نصب أعينها.. تعلمنا كيف تكون الأسرة الصغيرة جزءا مهما فى تكوين العائلة.
فى محطة القرية تعلمنا الحياة بحلوها ومرها وعشقناها كما هى.. محطتك الأولى في الحياة هى التى تصنع لك الانطلاقة السليمة والصحيحة، تعالوا نعود ولو أياما إلى محطتنا الأولى نتذكر الراحلين ونزور الحاضرين ونلملم سنين العمر حتى لا يضيع باقيه سدى.. نعود إلى أيامنا الأولى ولو ساعات نعيش البراءة والحب، وأن تعود آذاننا إلى سماع صوت الكروان وننسى صراخ السيارات.
والأهم أن نعود إلى أخلاقنا التى تعلمناها فى قريتنا زمان..