البث المباشر الراديو 9090
إيرينى ثابت
كنت أقول للطلاب فى أول محاضرة فى الفصل الدراسى الجديد أن مَن يود النوم أثناء المحاضرة فليتفضل.. لا مشكلة عندى.. فضحكوا جميعًا باستغراب!

لا توجد مشكلة ولا ضرر إذا كنت طالبًا ونمت فى المحاضرة.. فقد كانت نومة أحد الطلاب نافعة أكثر من صحوته أثناء المحاضرة فى يوم ما.

فى جامعة من جامعات كولومبيا، وفى محاضرة مهمة فى أحد علوم الرياضيات، نام الطالب المرهق، ومر الوقت، ولما بدأت همهمات الطلاب التى غالبًا ما ترتفع فى آخر المحاضرة، صحًا صاحبنا من نومه فوجد الاستاذ يهم بالخروج من القاعة.. نظر على السبورة السوداء، فوجد مسألتين رياضيتين مكتوبتين عليها.. قام بنقلهما فى دفتره بسرعة وخجل أن يسأل زملاءه عنهما، ولكنه استنتج أن هذا هو المطلوب خلال هذا الأسبوع، وأن عليه حل المسألتين.

ذهب إلى المكتبة، وبحث عن مراجع ليجد فيها من النظريات ما يساعده على حل المسألة الأولى.. وكان مستاءً لأن الاستاذ يعطيهم مسائل بهذه الدرجة من الصعوبة ويتركهم يحلونها.

حاول الطالب النائم عدة مرات دون أن يصل لحل لمدة ثلاثة أيام، واستعان بمراجع أخرى، وجرب عدة طرق إلى أن وصل فى اليوم الرابع لحل المسألة الأولى، وكتب معادلاتها وحساباتها فى أربع أوراق كاملة!

كان قرر أن يستذكر بقية دروسه ويكتفى بحل المسألة الأولى انتظارًا للمحاضرة، وكيف سيحل أقرانه المسألتين، ورأى الاستاذ فى طريقة الحل.

مر الأسبوع وجاءت المحاضرة المنتظرة.. بدأ الاستاذ يتحدث دون أن يذكر المسألتين على الإطلاق.. كان صاحبنا منتبهًا هذه المرة.. رفع يده ببعض الضيق، وقام ليسأل الاستاذ عن المسألتين.

قال: "سيدى لقد استغرقت منى المسألة الأولى أربعة أيام لأتمكن من حلها.. وجاء الحل فى أربع ورقات كاملة.. ها هى!".

رمقه الاستاذ بنظرة شك، وطلب الأوراق وسط همهمات الطلاب الآخرين.. رفع الاستاذ حاجبيه دهشة.. وقال للطالب: ألم تسمع ما قلته عن المسألتين حين كتبتهما؟ لقد قلت لكم أنهما مثالان لمسائل لم يستطع العلم حلها! ولكنك حللتها بطريقة ممتازة!

ابتسم الطالب وأجاب الاستاذ: "لو لم أكن نائمًا، لكنت سمعتك.. ولو كنت سمعتك، لم أكن سأفكر أن أحل المسألة أصلاً.. رب نومة نافعة!"

وما زالت الأوراق الأربع فى متحف جامعة كولومبيا تشهد لا للنوم، ولا حتى للمهارة، بل تشهد أن الحياة قناعات.. إن اقتنعت باستحالة حل المسألة لن تحلها، وإن اقتنعت بأن كل شيء ممكن، ولا يوجد مستحيل فسوف تعبر العقبات، وتحل المشكلات، وتستمتع بأى بركات قد تهبها لك الحياة مهما بدت صغيرة.. ذلك لأنك على قناعة بأن لكل مسألة حل!

قلت للطلاب إن النوم فى المحاضرة حرية شخصية لا تؤثر على بقية الطلاب الزملاء ولا على الاستاذ فأنت لو نمت لن تزعج أحدًا، ولن تمنع تركيز الطلاب الآخرين ولا الاستاذ فى المحاضرة.. اللهم إلا إذا كنت تحدث أصواتًا أثناء النوم! فضحك الطلاب أكثر فأكثر، ولكن المغزى وصلهم: من سيقع عليه ضرر النوم أو فائدته إلا النائم وحده؟ تصبحون على خير إذاً!

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز